الصفحة 9 من 156

وعند ما بلغ أبو شامة الستين من عمره تولى التدريس في المدرسة الركنية سنة 660هـ، وبقي فيها حتى عيّن مدرسا للمدرسة الأشرفية سنة 662هـ، ثم أضيفت إليه وظيفة الإقراء بالتربة الأشرفية. واستمر يشغل هاتين الوظيفتين حتى توفي سنة 665هـ.

من هذه الإشارات جميعها يمكن القطع بأن أبا شامة شغل منصب الأستاذية للمرة الأولى سنة 660هـ، وهذه الوظيفة كانت تتيح لمتقلدها الإشراف على إدارة المدرسة إشرافا كاملا يشمل الأوقاف المخصصة لها، والمتتبع لحياة العلماء في هذه الفترة التي شهدت نهضة علمية ميسرة يجد أن كثيرا منهم اعتمد اعتمادا كبيرا على هذه الأوقاف والمدارس في تنظيم حياته، مستفيدا من مواردها في فترة طلب العلم، ثم متقلدا وظيفة الأستاذية في هذه المدارس، أو قائما بالإشراف على الأوقاف المخصصة لها بعد اجتياز مرحلة الطلب. بل أننا نجد كثيرا من هؤلاء العلماء يجمعون بين التدريس والإشراف على عدد كبير من الأوقاف يديرونها ويدبّرون شئونها، ووسيلة بعضهم إلى هذا التقرب من الأمراء الواقفين، أو من السلاطين الحاكمين.

كما يمكن القطع أن أبا شامة كان يشغل وظيفة صغيرة في شبابه، سنة 635هـ، عند ما اختير واحدا من عدول دمشق، ثم أمّ الصلاة في المدرسة العادلية التي كان يقيم بها في دمشق مدة لا نستطيع تحديدها، كما لا نعرف تاريخ بدئها أو نهايتها، ويستثنى من هذه المدة الفترة التي انقطع فيها عن الإمامة، عند ما خرج إلى بساتينه الخاصة يعمل فيها ويعتمد عليها في حياته.

هذا الغموض الذي يحيط بالجانب المادي من حياة أبي شامة لا يعني، في حال من الأحوال، أنه كان شخصية مغمورة في الحياة الحكومية، كما لا يدل على نقص في كفاءته جعل رجال الدولة يصرفون النظر عن إسناد بعض المناصب الهامة إليه، بل إننا نجد في حديث أبو شامة عن بعض أساتذته الذين أعرضوا عن التزلف إلى ذوي السلطان ما يدل على أنه اتخذهم قدوة له ينهج نهجهم ويترسم خطاهم، فمنذ صغره عند ما كان يقرأ القرآن في جامع دمشق، كان أبو شامة ينظر إلى مشايخ العلم، كالشيخ فخر الدين أبو منصور بن عساكر، ويرى طريقه في فتاوى المسلمين وحاجة الناس إليه وسماع الحديث النبوي عليه، وهو يمر من مقصورة الصحابة رضي الله عنهم، إلى تحت قبة النسر لسماع الحديث، إلى المدرسة التقوية [1] لإلقاء دروس الفقه، ويرى إقبال الناس عليه وترددهم إليه، مع حسن سمته واقتصاده في لباسه، فيستحسن طريقته ويتمنى رتبته في العلم ونشره له وانتفاع الناس بفتاويه.

(1) أبو شامة: المذيّل ص 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت