وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين، وربما جعلوا الاختيار ما اتفق عليه نافع وعاصم، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات وأصحها سندا وأفصحها في العربية، ويتلوها في الفصاحة خاصة قراءة أبي عمرو والكسائي رحمهم الله.
ثم قال: فإن سأل سائل: لم جعل القراء الذين اختيروا للقراءة سبعة؟ ألا كانوا أكثر أو أقل؟».
فالجواب: أنهم جعلوا سبعة لعلتين:
إحداهما: أن عثمان رضي الله عنه كتب سبعة مصاحف ووجه بها إلى الأمصار، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف.
والثانية: أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن، وهي سبعة على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمتنع ذلك، إذ عدد الرواة الموثوق بهم أكثر من أن يحصى.
وقد ألف ابن جبير المقرئ [1] وكان قبل ابن مجاهد كتابا في القراءات وسماه «كتاب الخمسة» ، ذكر فيه خمسة من القراء لا غير، وألف غيره كتابا وسماه «كتاب الثمانية» ، وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي، وهذا باب واسع.
قال: «وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا: أن ما صح سنده واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف فهو من السبعة المنصوص عليها، ولو رواه سبعون ألفا، مفترقين أو مجتمعين، فهذا هو الأصل الذي بني عليه في ثبوت القراءات عن سبعة أو عن سبعة آلاف، فاعرفه وابن عليه» .
قال أبو علي الأهوازي:
وإنما كانوا من هذه الأمصار الخمسة دون غيرها لأجل أن عثمان رضي الله عنه جعل لكل مصر من هذه الأمصار مصحفا، وأمر باتباعه، ووجه بمصحف إلى اليمن، وبمصحف إلى البحرين، فلم نسمع لهما خبرا ولا رأينا لهما أثرا.
قال: «وهؤلاء السبعة لزموا القيام بمصحفهم، وانتصبوا لقراءته، وتجردوا لروايته، ولم يشتهروا بغيره، واتبعوا ولم يبتدعوا» .
قال: «وقد كان في وقتهم جماعة في مصر كل واحد منهم من القراء ولم
(1) ابن جبير المقرئ: هو أحمد بن جبير بن محمد بن جعفر بن أحمد، أبو جعفر، وقيل: أبو بكر الكوفي. نزيل أنطاكية، من أئمة القراء، توفي سنة 258هـ. (انظر: غاية النهاية 1/ 42) .