فهب أنه لم يصح أنه قرأ على عثمان، فقد قرأ على غيره من الصحابة، وكان يقول: هذه حروف أهل الشام التي يقرءونها.
قال أبو جعفر:
«ولعله أراد أنه أخذ ذلك عن جماعة من قرائها، فقد كان أدرك منهم من الصحابة وقدماء السلف خلقا كثيرا» .
ثم قال أبو طاهر:
«وأحسن الوجوه عندي أن يقال: إن قراءة ابن عامر قراءة اتفق عليها أهل الشام وإنها مسندة إلى أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم» .
قال: «ولم يتفقوا إن شاء الله عليها، إلا ولها مادة صحيحة من بعض الصحابة تتصل برسول الله صلى الله عليه وسلّم، وإن كنا لا نعلمها كعلمنا بمادة قراءة أهل الحرمين والعراقين» .
قال: «ولولا أن أبا بكر شيخنا جعله سابعا لأئمة القراءة، فاقتدينا بفعله، لأنه لم يزل موفقا، فاتبعنا أثره، واهتدينا بهديه لما كان إسناد قراءته مرضيا، لكان أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش بذلك أولى منه، إذ كانت قراءته منقولة عن الأئمة المرضيين، وموافقة للمصحف المأثور باتباع ما فيه، ولكنا لا نعدل عما مضى عليه أئمتنا، ولا نتجاوز ما رسمه أولونا، إذ كان ذلك بنا أولى، وكنا إلى التمسك بفعلهم أحرى» .
قلت: وكان غرض ابن مجاهد أن يأتي بسبعة من القراء من الأمصار التي نفدت إليها المصاحف، ولم يمكنه ذلك في البحرين واليمن لإعواز أئمة القراءة منهما، فأخذ بدلهما من الكوفة لكثرة القراء بها، وإذا كان هذا غرضه فلم يكن له بدّ من ذكر إمام من أهل الشام، ولم يكن فيهم من انتصب لذلك من التابعين مثل ابن عامر، فذكره.
وقال في كتابه:
«وعلى قراءة ابن عامر أهل الشام وبلاد الجزيرة» .
ثم قال: «فهؤلاء السبعة من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمع على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفا شاذا فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام» .