كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء منه دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السّورة التي يذكر فيها كذا وكذا» ، وإذا نزلت عليه الآية يقول: «ضعوا هذه الآية في السّورة التي يذكر فيها كذا وكذا» [1] هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلّم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه {بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ.} وفي رواية: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل {بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ،} فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت [2] .
وفي البخاري عن البراء بن عازب [3] قال: لما نزلت {لََا يَسْتَوِي الْقََاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {وَالْمُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللََّهِ} [النساء: 95] ، قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «ادع لي زيدا [4] وليجيء باللّوح والدواة والكتف» أو الكتف والدواة، ثم قال: «اكتب: {لََا يَسْتَوِي الْقََاعِدُونَ} » ، وخلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلّم عمرو ابن أم مكتوم الأعمى [5] ، فقال: يا رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر؟ فنزلت مكانها: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [6] .
وفيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان لأن جبريل عليه السلام كان يلقاه كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 222، والتبريزي في مشكاة المصابيح 2222.
(2) أخرجه أبو داود في الصلاة باب 122.
(3) هو البراء بن عازب بن الحارث، أبو عمارة الأوسي، صحابي، أسلم صغيرا، وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم خمس عشرة غزوة، توفي في الكوفة سنة 62هـ. (انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 1/ 425، الطبقات الكبرى لابن سعد 4/ 364) .
(4) هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، أبو خارجة الخزرجي، كان أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم، توفي سنة 45هـ. (انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 3/ 399، الإصابة 1/ 561، غاية النهاية 1/ 296، تذكرة الحفاظ 1/ 29) .
(5) عمرو ابن أم مكتوم: هو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم، ابن أم مكتوم القرشي، توفي بالمدينة قبيل وفاة عمر بن الخطاب. (انظر ترجمته في: الإصابة 2/ 523، الطبقات الكبرى لابن سعد 4/ 205) .
(6) أخرجه البخاري في الجهاد باب 31، وفضائل القرآن باب 4، ومسلم في الإمارة حديث 141، والدارمي في الجهاد باب 27، وأحمد في المسند 4/ 282، 284، 301).