يقول للناس: تنحوا فالنبي صلى الله عليه وسلّم يمر، قال: فنظرت فخرج علينا من المجلس الذي للكتب، ومر كما هو إلى المحراب.
ورأى الصلاح الصوفي أول ليلة من جمادى الآخرة سنة 655هـ كأن أبا شامة متوجه إلى الحج ومعه من الزاد جميع ما يحتاج إليه تزودا تاما يعجب منه الرائي.
ورأى حسن الحجازي في شهر رمضان سنة 657هـ كأن قائلا في عالم الغيب لا يراه بل يسمع صوته يقول: الشيخ أبو شامة نبي هذا الوقت.
ورأى أخاه الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل، وهو أسنّ من أبي شامة بنحو تسع سنين، وكان من الصالحين، كأن أبا شامة متمسك بحبل قد دلي من السماء وهو مرتفع فيه، فسأل إنسانا عن ذلك في المنام، فانكشف لهما البيت المقدس والمسجد الأقصى. فقال له ذلك الإنسان: من بنى هذا المسجد؟ فقال:
سليمان بن داود، فقال: أعطي أخوك مثل ما أعطى سليمان، فقال له: كيف ذلك؟
فقال: أليس سليمان أوتي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، أليس أعطي كذا وكذا، وعدّد أنواع ما أوتي، فقال: بلى، قال: وكذا أخوك أوتي أنواعا من العلم كثيرة.
هذه المنامات التي أوردها أبو شامة في الترجمة التي كتبها لنفسه، سواء التي رآها بنفسه أو رآها غيره عنه يستدل بها على كثير من تطورات حياته. وإن كان أبو شامة يخبرنا أنه سطرها في مذيّلة تحدثا بنعم الله تعالى كما أمر سبحانه في قوله تعالى: {وَأَمََّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] واعتبرها من البشائر حيث قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» [1] .
وعند ما بلغ أبو شامة العاشرة من العمر فاجأ أباه بقوله: قد ختمت القرآن حفظا، فتعجب أبوه من ذلك، كما كان يتعجب من ولع أبي شامة بالتردد على المكتب وسعيه في طلب العلم وحرصه على القراءة على خلاف المعروف من عادة الصبيان [2] ثم لم يلبث أبو شامة أن بدأ دراسة القراءات السبع، والفقه والعربية والحديث. وبعد أن أتقن هذه الدراسات وفرغ منها، رأى أن يصرف بعض عمره إلى الدراسة التاريخية حتى يستكمل ثقافته الدينية و «يجوز بذلك سنة العلم وفرضه» .
وإذا تتبعنا حياة أبي شامة في مرحلة طلبه العلم، ثم فيما أعقب هذه المرحلة لنتبين وضعه في هذه الظروف الاجتماعية التي عاش فيها كثير من أنداده العلماء، وجدنا الغموض يكتنف حياته في جميع مراحلها، فهو مقتصد في الحديث، اللهم إلا
(1) أبو شامة: نفسه.
(2) أبو شامة: نفسه.