و سألته عن كلام ابن عابدين الحنفي - رحمه الله - في [حاشيته] عن قوله"و لا يقبل القاضي هديّة إلا من أربع: السلطان و قريبه ذي الرحم و الباشا و من كان يُهاديه من قبل .."كيف يستقيم هذا و قبول القاضي الهديّة من السلطان مظنّة ميل القلب؟! فقال: لا. ليس كذلك و إنّما يأخذ القاضي من السلطان لا على أنّها هديّة - كما ذكر - و إنّما كراتب مستحَق له من بيت المال و يمكن أنْ يكون قد ذكره تغليبًا.
و سأله سائل عن التصحيح و التضعيف في هذا الزمان؟ فقال الشيخ: الله المستعان أصبح ما تسأل عنه اليوم بضاعة كلّ أحد بل حتى بلغني أنّ بعض طلاّب الدراسات العليا بدؤا بذلك و الله المستعان. و ابن الصلاّح - رحمه الله - يقول في هذا الباب بالمنع:
و عنده التصحيح ليس يمكن::: في عصرنا و قال يحيى يمكن
و ليت الأمر وقف هنا بل تجاوز إلى أن يهّون المصحح مَن ضعّف من الأئمة المتقدمين و العكس كذلك و والله إنّ هذا لمن البلاء.
و طلب منه طالب شفاعة لأحد المعاهد فوافق الشيخ على طلبه و كان له مواعد , و أنا أسائل نفسي إلى أين نسير و أين سيستقر هذا المسير و إذا بالسائق يبادرني الجواب و يوقف مركوبه عند أحد الأبواب , فنظرت فإذا نحن بمنزل الشيخ الأديب الفاضل و الكريم الأريب العاقل من بمكتبته نفوسًا عن الذل أغنى إنّه الدكتور يحيى بن ابراهيم اليحيى و خرج الدكتور من بيته و مجلسه ليستقبل حبيبه و مؤنسه فتعانقا عناقًا حارّا و كان الشيخ له وفيًّا بارّا , و قبّل الددو لليحيى الرآس و سارعت بتسجيل ذلك في الكرّاس , و دخلنا الدار العامرة و فوجئتُ بفرحة الحضور الغامرة و قلتُ: اللهم كما رزقت شيخنا عزّ الدنيا فارزقه يا ربّ عزّ الآخرة , و عرّف الدكتور الحضور بالضيف و وصفه بأنه غنيّ عن التعريف و أتاح للشيخ فرصة الكلام و بدأ الشيخ بالسلام و تكلّم بكلام يُبهر أًولي النهى و لأحلام عن فضل العلم و مدى شرفه و نبله و عظيم أثره و عزّه كل ذلك و غيره , و نحن في حال لا ندري ماذا نكتب و ندع حتّى بدأ الشيخ في الكلام عن محور الورع , ثم نادى مضيّفنا المعطاء صاحب الفضل و العطاء ضيوفه الإعزّاء و الإخوة الفضلاء و دعاهم جميعًا إلى العشاء.
و بعد العَشاء أُتيح للشيخ الكلام عن مركز تكوين العلماء و الواقع بأرض الصحراء نواكشوط عاصمة الإباء , و ذكر الشيخ بعض الكلام المرّكز و الذي وصف به المركز , كلامًا عجيبا جدًا و ملّخصه"أنّ شروط القبول في المركز هي (هي) مواصفات الخرّيج في جامعاتنا الإسلاميّة اليوم"ثمّ بعد ذلك خرجنا من الديوانيّة بنفس زكيّة و روح بالإيمان عليّة و أرجو أن يكون أكثرنا قد عزم على تجديد النيّة و البعد عن الصحبة الرديّة.
ثم عدنا و الشيخ ظاهر عليه التّعب و بعضنا ما زال يسأل حتّى تضجرتُ و أشعرته بأنه قد أثقل و شيخنا كما هو لا يكل و لا يمل و فجأة سكتنا و سكنّا و قطع هذا السكون سؤال سأله أحد الإخوة عن أحد الإخوة أخرج شريطين قد سمّاه صاحبه بل قل قد سمّه صاحبه بكشف الغطاء - و سمعته فوجدته هباء فيه تكلّف و انتقاء فلا هو فرّغ جهده للأعداء و لا هو ترك أولي العلم الأتقياء - و يريد الطالب من الشيخ أنْ يتعّقبه فقال له الشيخ بالنص"و الله ما عندي وقت لسماعه فكيف أرد عليه؟؟!!"و للتنبيه: فإنّي ناقشتُ الشيخ الددو - حفظه الله - في بعض المسائل التي أنكرها عليه كاشفُ غطاءه فكانت المحصّلة أنّه ذكر أدلّة على ما قرّره و فصّل هنا ممّا قد أجمل و للمثال فقط: ما أنكره - الكاشف - عليه من مسألة حبّ الكُفّار و تجويز الشيخ لها؟؟ سُئل عنها الشيخ فبيّن - و هذا الكلام بمعنى كلامه لا بنصّه - أنّ المقصود من كلامي بحبّهم هو الحُب الطبعي الجبّلي لا التعّبدي الشرعي و إلاّ كيف يجوز لك زواج الكتابيّة دون أنْ يكون هناك أدنى وثيقة من المحبّة و لو محبّة هدايتها و غيرها من الأدلة التي يضيق المقام عن بسطها.
ثم وصلنا إلى سكن الشيخ و وجدنا مجموعة من طلبة العلم ينتظرونه في مداخل الفندق و على السلالم و سارع بعضنا إلى إفهامهم أنّ الشيخ متعب فردّ بعضهم"لا تعيقنا عمّا نرغب"فقلتُ لهم: ليس هذا من حسن الطلب و كمال الأدب فتولّى عني إلى الشيخ و أصابني من تصّرفه الدهش و العجب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)