مِن أعظمِ الصوارفِ عن طلبِ العلمِ، (وقد قال الإمام الشافعي: ما أفلح في العلم إلا من طلبه بالقلة، ولقد كنت أطلب ثمن القرطاس فيعز عليّ) ، ولا يعني هذا أن تُحجِمُ عن الزواجِ فتتركَ سنةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه، ولكن فليكن ذلك بعدَ أن تذوق حلاوةَ العلمِ وتحفظَ كثيرًا من متونِه، فإنَّ للعلمِ حلاوة من ذاقها لم يتركها لغيرها في الغالب، وأنتَ مبتلًا بهذا المانعِ ما لم تتغرَّب، ومن أدوية هذا المانعِ الفقرُ , الذي من خصائصه أنَّه مَفْرَغةٌ للقلبِ من الشواغلِ، وأكثر الأئمة كانوا من أهله.
التصدُّرُ:
(مَن تعجّلَ الشيءَ قبل أوانه عُوقبَ بحرمانِه) ، فلا تستعجل على التصدُّر ِلتعليمِ الناسِ، فإنَّ أولَكَ ضعفٌ وآخرك ضعفٌ، فاعرف قدركَ فيهما، ومن الأمثلة على التصدر ما كان من واصل بن عطاء لما اعتزل حلقة شيخه الحسن البصري ظنًا منه أنه نضجَ علمه فَضَلَّ وأضَلَّ، وتكونت بسببه المعتزلة، ، فاحذر من التصدر للتعليم قبل التأهل.
التثبيط:
ومنه نفسيٌّ يجلبه الإحباطُ وعدمُ الثقةِ بالنفسِ، فلا ينبغي لك أن تقولَ لشيءٍ وهبك الله أسبابه: لا أقدِرُ عليه، ألم يجعل الله لك عينين ولسانًا وشفتين، ثمّ إنَّ توصيله إليك ليس عليك، ألم نذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذن فيستحيل أن تصدق مع الله في بذل السبب ثم لا يصدق الله معك في تحقيق الطلب، ومنه ما يجلبه صحبة الفلس المثبِّطون، امتلئوا عجزًا وخورًا حتى أصبحوا على الناس يصدِّرون، فإياك وصحبتهم فإنَّ نفسك التي بين جنبيك مُولَعةٌ بالتَّشبُهِ بمقربيك.
الخلاصة
1 -إنَّ معرفةَ طريقِ الطلبِ تضعُ عنكَ نصفَهُ.
2 -التدرُّجُ في طلبِ العلمِ يُنَمِّي فيكَ هوايتَه وعشقَه.
3 -كلما زادَ بَذْلُكَ لأسبابِ العلمِ واجتنابُك لموانعِه كلما زادت بركةُ علمِكَ, واعلم أنَّ من العلمِ والعلماءِ ما هو قليلُ البركة.
4 -البركةُ لا الكثرة ومِن أسبابِها الإتِّباعُ والتلقِّي والجماعةُ والمشُورةُ والبُكورُ.
5 -الحفظُ والفهمُ منه ما هو فطريٌ ومنه ما هو كسبيٌ، والمقصودُ من أكثر الأسبابِ تحصيلُ الثاني وهو الأعظمُ لأنَّه إعانةٌ مِن اللهِ، ولأنَّه يستلزم التوفيقَ.
6 -لكل علم طريقان متوازيان في التعلم نظري وعملي، وقد ذكرنا النظري ويكون العملي بالتطبيق، فكما أن التخلق بالقرآن هو الطريق العملي، فإن الفقه تطبيقه في العمل وفي كتب الفتوى، والمصطلح في كتب التخريج، وهكذا.
طريقةُ العملِ بالأسبابِ
(أخلصْ) للهِ في الرغبةِ بأنْ يقربكَ إليه بهذا العلمِ، واطلبْه (بهمةٍ عاليةٍ) لا يُقنِعُها إلَّا المنتهى مما يمكنُك الوصولُ إليه مِن هذه العلومِ (متوكلًا على اللهِ) ، ثم أسِّسْ نفسَك (تدريجيًا) بأنْ تحفظَ المتنَ الأولَ في جميعِها (مؤصلًا لها) ، ثمَّ (تلقَّ) روايتَها ودرايتَها عن رؤوسِ علمائِها، و (اصبرْ) على ما ستلقاهُ مِن جُهدٍ في طلبِها راضيًا برزقك (مختارًا للفقر) (هينة عليك نفسُكَ) في سبيل الله، مع (يقينٍ) جازمٍ بأنَّ الله سيُيِسِّرُ لكَ حفظها وفهمها وعلمائها إنْ (صدقتَ) في طلبِها لوجهه، وأكثِرْ مِن شُربِ (ماءِ زمزم) لكلِّ حفظٍ وفهمٍ وما تحب، مع (الحجامةِ) لهما، مُكثرًا من (الاستغفارِ) الذي يمحو الذنوبَ المطفئةَ لنورِ اللهِ مِن قلبِكَ، وابدأ يومكَ بالاستيقاظِ في ثلثِ الليلِ الأخيرِ قائمًا بين يدي اللهِ تتلو ما (حفظتَهُ) من كتابهِ مراجعًا له و (متدبرًا) ، مُكثرًا مِن (الدعاءِ) بأنْ يهديكَ اللهُ ويهدي بكَ، فإذا صليتَ الفجرَ فاجلسْ (للأذكارِ) ثم اتلُ القرآنَ إلى الإشراقِ وصلِّ ركعتيهِ، ثم ابدأَ بحفظِ متونِك مبتدأً بالتحفةِ (مُكرِرًا) لأبياتِها كثيرًا مع (كتابتها) ، وسمِّعها على شيخِكَ وليشرحْها لكَ، أو قمْ بشراءِ شرحِها، أو نزِّلهُ من الشبكةِ،واستمعْ للشرحِ (بواسطةِ التقنياتِ الحديثةِ) وقم بتفريغ شرحها الصوتي فإنَّ التفريغَ أنفعُ من القراءة،وهكذا مع جميعِ المتونِ، و (تدارسْ) ما حفظتَه مع (صاحبِك) و (لْيراجِع) لك مع الحذرِ من الرياءِ والسمعةِ، وليكنْ جدولُكَ متنوعًا ما بين فهمٍ وحفظٍ ومراجعةٍ واستماعٍ، قائمًا وقاعدًا، في البيتِ وفي الخارجِ، (معتزلًا)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)