الجانبَ الإيمانيَ لنفسِه فهو رحمه الله لا يسمحُ لأحدٍ أن يستفتيَه أو يحدثَه بعد الصلاةِ حتى ينتهي من وردهِ وذكرهِ، و قد خصصَ سيرهَ إلى مسجدهِ لمراجعةِ القرآنِ الكريم، ولا يأذنُ لأحدٍ بالحديثِ معَه، بل أحيانًا يقفُ عند بوابةِ المسجدِ من أجلِّ أن يُتمَ حزبَه الذي خصصَه!! فرحمك الله رحمة واسعة.
هكذا كانتْ أحوالهُم .. يوم ارتقتْ اهتماماتُهم .. وهكذا كانت إنجازاتُهم .. يومَ اتسعت مداركهُم،ونضجتْ عقولُهم وأفكارُهم.
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارم
وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها ... وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ
إننا مطالبون اليومَ بالسيرِ على ما ساروا عليه، وأن نقتفي أثرَهُم، ونحذوا حذوَهُم .. لنصل إلى القمةِ الشماءِ، والمرتبةِ العليا.
ولعلنا بعدَ هذا العرضِ قد عزمنا على أن تكونَ لنا أهدافٌ منشودة، وغايةٌ مقصودة بإذن الله تعالى:
لكن لابد أن تكون هذه الأهدافُ شرعيةٌ، والغاياتُ نبيلة، والمقاصدُ سامية، فالثراءُ مثلا: هدفٌ تطمحُ إليه النفوسُ ولكن هل يتخذُ من الربا والمعاملاتِ المحرمةِ وسيلةً لبلوغِ هذه الغاية؟!! ومن أراد أن يتفوقَ في دراستهِ هل يتخذُ من الغشِ والاحتيالِ وسيلةً لبلوغِ هدفِه؟!
وقد تتساءلُ أخي الكريم: كيف يمكنُ الوصولُ إلى غايتي وهدفي بأفضلِ طريقةٍ، وأخصرِ وسيلة؟!!
وإجابةٌ لسؤالك؛ اطرحُ هذه الأسئلةِ عليك:
هل يمكنُ الوصولُ إلى غايتِك من خلالِ حياةِ العشوائية؟
هل يمكن أن تُحقق أهدافَك من خلالِ الارتجاليةِ والعفوية؟
هل يمكنُ أن تنجزَ هدفَك بوقتٍ مقبولٍ بدون دراسةٍ ولا تخطيطٍ مسبق؟!
إذن: أفضلُ طريقةٍ،وأخصرُ وسيلةٍ لبلوغِ الأهدافِ والغاياتِ هو أن تعملَ ما يلي:
أولًا: أن تخططَ للمستقبلك.
ثانيًا: أن تنظمَ نفسَك.
ثالثًا: أن تنفذَ وتطبيقَ بدقةٍ وعناية.
ونبدأ أولًا: بالحديثِ عن القضيةِ الأولى وهي قضيةُ التخطيط.
إن التخطيطَ لأي عملٍ؛ عملٌ مشروعٌ، فعلَه خيرُ البرية وأزكى البشريةِ r فمن ذلك:
عندما عزمَ - صلى الله عليه وسلم -الانتقالَ من مكةَ إلى المدينةِ في هجرتهِ العظيمةِ .. لم تقمْ تلك الرحلةُ بعشوائيةِ، بل خططَ لهذه المسيرةِ الخطيرةِ والتي يعلمُ - صلى الله عليه وسلم -حجمَ المؤامرةِ التي تحاكُ له في جنحِ الظلامِ للقضاءِ عليه .. فمن ذلك ذهابُه - صلى الله عليه وسلم -متقنعًا لبيتِ أبي بكرٍ الصديقِ في وقتٍ لم يكن يأتيهِ فيه،حتى استنكرَ أبو بكرٍ هذا المجيءَ، وعلمَ أن هذا القدومَ إنما هو لغايةٍ عظيمة .. ثم أمرُه - صلى الله عليه وسلم -لأبي بكرٍ أن يُخرجَ من كان عندَه .. ليَعرضَ عليه أمرَه الذي جاءَ من أجلهِ .. حتى طمأنَهُ أبو بكر؛ وقال: هم أهلُكَ يا رسولَ الله .. بعد ذلك أبرمَ - صلى الله عليه وسلم -خطةَ الهجرةِ مع صاحبهِ رضي الله عنه .. وأيضاُ: أمرُه - صلى الله عليه وسلم -لعلي بنِ أبي طالبٍ أن ينامَ في مكانهِ حتى يؤخرَ الطلبَ عنه ويمكنَهُ الابتعادَ أكثرَ .. ثم خروجُه - صلى الله عليه وسلم -مع أبي بكرٍ من البابِ الخلفي، ليَخرجَ من مكةَ على عجلٍ، ثم سلوكُه - صلى الله عليه وسلم -لطريقٍ غيرِ معتادٍ ومتوقعٍ لأهلِ مكة َ، ثم صعودهُ r لجبلٍ شامخٍ وعرٍ صعبِ المرتقى ذا أحجارٍ كثيرةٍ .. ومكوثهُ - صلى الله عليه وسلم -فيه ثلاثةَ أيام .. كلُّ هذا وغيُره تخطيطٌ لصرفِ الأنظارِ عنه - صلى الله عليه وسلم -وبلوغهُ للغايةِ التي قصدَها .. وهي وصولُه إلى المدينةِ سالما، ومن ثم مواصلةُ رحلتهِ الدعويةِ إلى الله تعالى.
وإذا انتقلنا إلى صورةٍ أخرى من صورِ تخطيطهِ - صلى الله عليه وسلم -وحرصهِ على هذا المبدأِ في حياتهِ ما كان يفعلُه - صلى الله عليه وسلم -في غزواتهِ حيث قلَّ ما كان يريدُ غزوةً إلا ورى بغيرهِا.
أخي المبارك: إن من خلالِ التخطيطِ المدروسِ تستطيعُ أن تكسبَ الفوائدَ التالية:
1 -تحديدُ الأهدافِ المقصودةِ، والغاياتِ المنشودةِ،والتي تطمحُ أن تصلَ إليها، وأن تنجزَها
2 -إمكانيةُ التنسيقِ بين جهودكِ وأعمالكِ الأخرى.
3 -معرفةُ كميةِ الجهدِ الذي تحتاجُه للوصولِ لهدفِك.
4 -معرفةُ الوقتِ المناسبِ لقضاءِ هذا الهدفِ والحصولِ عليه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)