أولًا: النظم القرآني.
النظم القرآني باب عظيم من أبواب إعجازه، والمقصود بالنظم ارتباط الكلم، وتعلق بعضه ببعض، كما يقول عبدالقاهر الجرجاني في الدلائل، وهذا الارتباط هو الذي ينشئ العلاقات التي تجعل الكلام متضامًا بعضه إلى بعض، دلالة وتركيبًا. وهو الذي يفسر اختيار ألفاظ التراكيب لأداء المعاني المختلفة، وهو أول وجه من وجوه الإعجاز القرآني، وأولاها بالنظر في رأي العرب الذين كان نظم الكلام يأخذ بمجامع ألبابهم، ويستولي على عقولهم، فساق لهم القرآن دروبًا من النظم لم يعهدوا بدقتها كلامًا، ولم يعرفوا في مثل انتظام نسقها انتظامًا.
والنظم القرآني له وجوه يظهر بها إعجازه كما قلنا، منها: اختيار الألفاظ المناسبة للمعنى المراد توصيله، وتبلغ دقة الاختيار مبلغًا عظيمًا ينبئك أن هذا القرآن هو كلام الله، وهو الكتاب الذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن وجوه النظم القرآني ترتيب الكلمات، وإقامة نسق تركيبها على نحو معين.
ثانيًا: التوجيهات النفسية والتربوية.
القرآن هو دستور النفس الإنسانية وهو منهج تربيتها، وسبيل استقامتها، وطريق نقائها، وخير علاج لأدوائها، ولا تخلوا آية واحدة في كتاب الله من توجيه نفسي، وهذا الذي يميز القرآن عن سائر الكتب السماوية.وعلى الرغم من أهمية هذا الجانب في القرآن الكريم، فإن التفاسير لم تنتبه إليه، ولم توجه إليه لفتة ولا عناية، وقد كان القرآن حريصًا على تربية النفس الإنسانية بما يصلح شأنها، ويحفظها من الزلل، فتكون سعادة الإنسان في نفسه، وكان للمنهج القرآني في تربية هذه النفس تميز لا يدانيه تميز.
وإن حرصنا على استخراج التوجيهات النفسية والتربوية لآيات القرآن، لا يعني أننا سنأخذ شيئًا من الدراسات النفسية والتربوية المعاصرة نزين به كتاب الله، بل يعني أننا سنأخذ من كتاب الله ما لم يعرفه أحد حتى الآن، من دواخل الإنسان، وبنيته النفسية، ومداخل هذه البنية، وقد أَلَمَّ خادمُ القرآن - يعني المؤلف نفسه - بقسط من الدراسات النفسية والتربوية، قسط يجعله أهلًا للحكم بما لهذه الدراسات وما عليها، وما يجعله قادرًا على أن يستخرج إطارًا نفسيًا شاملًا من القرآن الكريم، يصلح للنفس البشرية في كل زمانٍ ومكان.
ثالثًا: التفسير الصوتي والتركيبي للقراءات القرآنية.
ليس الاهتمام بالقراءات القرآنية جديدًا في علم التفسير، فمعظم التفاسير القديمة تورد القراءات المختلفة لآيات الكتاب الحكيم. ولكن هذه التفاسير أو معظمها كانت تنزلق في منزلقات خطيرة، فقد كانت ترد بعض القراءات السبعية أو العشرية، وعلى الرغم من أن بعض العلماء قد ألفوا كتبًا في توجيه القراءات القرآنية والاحتجاج لها من كلام العرب، فإن هؤلاء العلماء لم يتمكنوا من تفسير القراءات القرآنية تفسيرًا صوتيًا.
وسنركز إن شاء الله على تفسير القراءات تفسيرًا صوتيًا أو تركيبيًا، بما يكفي لبيان أن هذه القراءات ما هي إلا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم، ولن نتناول كل ما قرئ به كتاب الله، بل نختار من القراءات ما يكفي لإثبات ما قلناه، وإلا فإن هذا التفسير لا يتسع لكل القراءات، فيكفي منها اختيارات نذكرها في هذا التفسير. لقد بلغ علم الأصوات من الدقة بحيث إن الأجهزة الصوتية المتطورة تدلنا على أدق الظواهر الصوتية وأشدها خفاء في اللغة، ومن شأن معطيات هذا العلم أن تبين الظواهر الصوتية المختلفة وأسرارها في القرآن الكريم.
رابعًا: التفسير بالاستقراء.
لا بد عند تفسير القرآن من استقراء السياقات، واستقراء الدلالات المختلفة للتعبير الواحد، واستقراء كل ما يتصل به من أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وتاريخ النزول. ومن صور الاستقراء تفسير القرآن بالقرآن، وهو باب عظيم من أبواب التفسير بالاستقراء، وفيه ألفت تفاسير عظيمة، منها (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي(3 ) ) ، و (التفسير القرآني للقرآن) لعبدالكريم الخطيب). أ. هـ مقدمة الكتاب بقلم المؤلف.
وقد سار المؤلف في تفسيره، على المنهج الذي ارتضاه لكتابه، معتمدًا على علمه وخبرته مع الرجوع للمصادر والإشارة إلى بعضها في متن الكتاب، وقد أجاد في الاختيار للقول الراجح في رأيه من أقوال المفسرين في كثير من الآيات التي اختلف المفسرون في تفسيرها في سورة البقرة، ووفق لتعليل اختياره ذاك. ولذلك فإن هذا التفسير ليس مجرد نقل وجمع لأقوال المفسرين السابقين، بل معظمه من إضافة المؤف واستنباطه، وهو جدير بالقراءة والتدبر، ولعلي أعرض أو يعرض غيري في مشاركات قادمة تضاف إلى هذه المشاركة بعض النماذج من هذا التفسير إن شاء الله، والله الموفق سبحانه، لا إله إلا هو.
ـــ الحواشي ـــــــ
(1) الأستاذ الدكتور سمير شريف استيتية، مدير مركز النطق والسمع بجامعة اليرموك بالأردن، وكان عميدًا لعدد من الكليات، منها كلية الآداب بجامعة اليرموك، وكليتي الآداب والحقوق بجامعة فيلادلفيا.
(2) قائمة مؤلفات الأستاذ الدكتور سمير شريف استيتية التي اطلعتُ عليها:
-رياض القرآن - تفسير في النظم القرآني ونهجه النفسي والتربوي.
-الأصوات اللغوية - رؤية عضوية ونطقية وفيزيائية.
-القراءات القرآنية بين العربية والأصوات اللغوية - منهج لساني معاصر.
-الشرط والاستفهام في الأساليب العربية.
-اللسانيات - المجال، والوظيفة، والمنهج.
-وله عدد من البحوث المنشورة في الدوريات والمجلات العلمية اطلعتُ على بعضها.
(3) سمَّاه المؤلف (مواهب المنَّان في تفسير القرآن بالقرآن) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)