لكن عندما نطبق على هذا الكلام من الزركلي بدائيات التحقيق، والتأكد من هذا الزعم، سرعان ما يتهاوى، ونجد أن الصواب ليس حليفه، وأن واقع الكتابين عند المقارنة، وقراءة مقدمة"التراتيب الإدارية"سيظهر بطلانه، ولقد قمت بذلك بنفس، مع أنّه في قرارة نفسي بطلانها، لظهور ذلك من خلال قراءة كتاب الكتاني وحده، إلا أن مثل هذه النتائج لا بد من ذكر البراهين والأدلة المادية لاختلاف أفهام الناس، ولكي يطمئن قلب القارئ على نزاهة الكتاني من هذه التهمة.
وقبل ذكر هذه الأدلة والبراهين؛ مقدمة لابد منها، وهي أن من عُرف عنه العلم الشرعي، وعدُ من عداد العلماء الصادقين؛ فالأصل فيه النزاهة والأمانة والصدق، وأنه بعيد كل البعد عن كل ما يقدح ويخدش هذه المنزلة والمكانة، وينافيها؛ إلا أن يثبت بدليل ما يجرحه، وينافي هذا الأصل.
قال ابن عبد البر في"التمهيد" (1/ 28) : وكل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه لقوله صلى الله عليه وسلم:"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" (1) .
وقال النووي في كتابه"تهذيب الأسماء واللغات" (1/ 21) : قال في الحديث"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
وهذا إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفاء من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعده فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة، ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئًا من العلم، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه، والله أعلم.
وقال ابن القيم على هذا الحديث: العبد يكون من حملة العلم، فهو عدل بنص الكتاب والسنة."الطرق الحكمية" (ص 244) .
وقال ـ أيضًا ـ في"الصواعق المرسلة" (4/ 1343) : لمحدثون والفقهاء هؤلاء يروون أحاديث الشرع، وينفون الكذب عن النقل، ويحمون النقل عن الاختلاف، والغلط وهؤلاء ينفون عن الأخبار تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وهؤلاء هم الذين عدلهم النبي بقوله:"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"فهم العدول على سائر الطوائف فقبل قولهم على الناس ولا يقبل قول الناس عليهم والخارج عن هؤلاء وإن خفقت بنوده وكثرت جموعه وسعى حتى ضرب له الدرهم والدينار وخطب باسمه على رؤوس المنابر لا تكون أموره إلا على المغالطة والمجالسة لأنه كالخارج على الملك الذي دانت له الرعايا ونفذ حكمه في البلاد فالخارج عليه لا يزال خائفا مستوحشا يخشى من أن يقابله الملك بقتال
وإيذاء هؤلاء العلماء إيذاءٌ لأولياء الله الصالحين، ومن عاد وليًا لله فقد آذنه الله بالحرب، فعن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في الحديث القدسي"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"أخرجه البخاري، وغيره.
وأعظم إيذاء للعلماء اتهامهم بأمور يترفع عنها المسلم العامي كالسرقة، والاختلاس، والاعتداء على حقوق الغير
وغير خاف علينا كلام ابن عساكر الدمشقي في التحذير من لحوم العلماء: اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقعية فيهم بما هم منه براءٌ أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم والاختلاف على من اختاره الله منهم لنشر العلم خلق ذميم. انظر"تبين كذب المفتري" (28) .
وبعد هذه العُجالة نتقل إلى ذكر هذه الأدلة والبراهين على بطلان تهمة الكتاني بسرقة كتابه"التراتيب الإدارية"؛ دفاعًا عن أحد علماء الإسلام في المجلس القادم ـ إن شاء الله ـ.
رسم تعريف بالكتابين:
1)ـ اسم الكتاب"تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية"وهو المتقدم في التأليف
أبو الحسن علي بن محمد المعروف بالخزاعي التلمساني
المتوفى سنه 789هـ أندلسي الاصل
الأعلام للزركلي (5/ 6)
وصف عام للكتاب: طبع في مجلد واحد فاخر محقق أشرف على تحقيقه لجنة إحياء التراث الإسلامي التابعة لوزارة الأوقاف في مصر، وعدد صفحاته مع الفهارس (880) مرتبًا ترتيبًا فائقًا بحرف كبير
2)اسم الكتاب"كتاب التراتيب الإدارية، والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلية"اسم المؤلف: عبد الحي بن شمس محمد الحسني الإدريسي المعروف بعبد الحي الكتاني الفاسي
الأعلام للزركلي (6/ 188) . وصف عام للكتاب: طبع في مجلدين بخط صغير ومتقارب الأسطر، وهي طبعة رديئة كثيرة الأخطاء، ولم يذكر عليه الطابع، وعدد صفحاته (948 صفحة) =================
1ـ هذا الحديث حوله كلام طويل من حيث صحته، وضعفه، وكذا معنى الحديث هل هو إخبار، أو أمر. ليس هذا موضعه، لعله يكون هناك مناسبة آخر ليتيسر الكلام عنه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)