ويؤيد محمد بن عثمان الحشائشي في رحلته"جلاء الكرب عن طرابلس الغرب"ما أورده العبدري عن فصاحة أهل هذا القطر فيقول:"أما لغتهم فهي اللغة العربية الصرفة ويدخلها بعض تحريف قليل سمعت بعض صعاليكهم يحدو بصوت مطرب بكلام عربي مُغِرب"
ارحمها فقد أبلى السنابك وخذها وأتبعها غور الغلاة ونجدها
فقلت له: هل من قائل لهذا البيت؟ وهل حي قائله أو ميت؟ فقال لي: ما صورته بحروفه حفظته مذ كنت يافعا، وقليل منهم من يعرف القراءة والكتابة وكثيرًا ما كنت أداعبهم وأنشدهم الأشعار العربية فيفهمونها ويطربون لها سجية""
ولعل سائلًا يسأل عن سبب بقاء هذه الألفاظ مستخدمة إلى يومنا هذا بين الكبار والصغار محفوظة من الضياع، وإن دخل بعضها تحريف بسيط فأقول إن أهم هذه الأسباب ما أشار الإمام الرحالة (العبدري) وهو عدم اختلاطهم بغيرهم، فقد ضمن سلامة اللفظة بناءً ودلالةً، وعدم اختلاطهم يرجع إلى خوفهم من دخول اللحن إلى لغتهم كتلك القرية اليمنية التي أشار إليها الفيروز آبادي فلا يبقى عندهم ضيف بعد ثلاثة أيام صونًا للسانهم وإنما مرجعه إلى عدم استقرارهم في بقعة محددة في تلك الرقعة الواسعة التي بسطوا نفوذهم عليها، فلم يأتهم الغرباء طلبًا للجوار والعيش بينهم، لضنك العيش وعدم الاستقرار، يضاف إليه خوف الناس منهم، فقد غلب عليهم النهب والسلب والقتال من ضيق أسباب المعاش في بيئة كبيرة مقفرة يقول المؤرخ (محمد بن الحسن الوزاني) عن اعتراضهم للقوافل"حتى إنه منذ مائة سنة لم تمر أي قافلة بالساحل المحاذي للصحراء التي يعيش فيها هؤلاء القوم) فهذا حال ساحلهم فما بالك بصحرائهم."
ويضاف إلى عزلتهم نقاء دمائهم الأولى، فلم يطرأ على ألسنة أجدادهم تغيير قبل مجيئهم، إذ إنهم جاؤوا من بلاد الحجاز وهي موطن الفصاحة، سليمة ألسنتهم، ويلاحظ دارس القبائل الليبية اعتزازها بأصولها الراجعة إلى الدوحة النبوية المطهرة أو إلى تميم أو فزارة أو بني هلال وبني سليم، وهذه الأنساب التي ينتمون إليها مقررة في كتب الأنساب عبر هجرات القبائل العربية إبان الفتح الإسلامي وبعده ثم هاجرت هذه الألفاظ العربية إلى البلاد الليبية عبر هجرات بعض أهل الأندلس إليها في زعم الباحث وقد اتهمت هذه الألفاظ الأندلسية-هي نفسها الألفاظ المستعملة الآن في البلاد الليبية-باللحن وحاول بعض العلماء القدامى في الأندلس إثبات فصاحتها فساق الدكتور (وريث) تلك الإثباتات ليحكم من خلالها فصاحة ألفاظ أهل ليبيا يقول:"فإن اللهجة الليبية تتكون في تركيبها العام من الفصيح ومن بعض الجذور اليمنية وإلى الكثير من الجذور الأندلسية".
وفي اعتقادي أنها دعوى بلا دليل وتعميم بلا تأصيل، فلم يذكر لنا الباحث الجذور اليمنية في ليبيا ولو بمرجع يشير إليه، كما أن جهة الشرق في ليبيا والوسط لا تشتمل تلك الجذور الأندلسية التي تحدث عنها، وأخالفه في إثبات فصاحة تلك الألفاظ من خلال استعمالها على اللسان الأندلسي، ومن ثم على اللسان الليبي، ففيها إطالة زمنية ومكانية، فليبيا قبل الأندلس فتحًا وقربًا، وابتعد أهل الشرق الليبي عن الحرف بخلاف أهل الأندلس، ومعلوم ما للحرف من تأثير في لغة الناس، ولهذا لم يعد الأصمعي ذا الرمة حجة إذ طالما أكل البقل والمالح في حوانيت البقالين) ومعلوم أيضًا تأثر اللغة الوافدة بمن وفدت عليها، وأهل برقة سلموا من الأمر، وأقول لم لا نثبت فصاحة تلك الألفاظ ومنها التي ساقها الباحث نفسه دون الرجوع إلى لغة الأندلسيين؟ فلغة البرقاويين أفصح وأنقى لعدم اختلاطهم بغيرهم، وهو يؤكد رفضنا أن هذه الألفاظ وافدة من الأندلس بل هي مستقرة مذ بدء استقرار الهجرات الهلالية بها.
أما الاعتماد على هجرات عائلات أندلسية إلى ليبيا فهو ليس عامًا في جميع أنحاء ليبيا، ولو ركز الباحث بحثه في رقعة جغرافية محددة ينحدر بعض سكانها من الأندلس مثل درنة لسلمنا له ذلك، ولو كانت هذه الألفاظ من الألفاظ الحضارية لسلمنا له ذلك أيضًا، فهو يسوق مثلًا: أن الخلخال بكسر الخاء في لهجة أهل الأندلس والعامية الليبية، وبالفتح الفصيح) أقول وفى شرق ليبيا خَلْخَال بفتح الخاء لا بكسرها ويقول في كلمة عجوز:"وفي المناطق الشرقية يستعملونها عجوزًا فقط وجمعها عجايز، وأما في المناطق الأخرى فيبدلون الجيم زايًا فيقولون عزوز ويصغرونها"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)