وكلما كثرت النقط في الكلام المكتوب، كان أكثر صراحة وأشد وضوحًا؛ ولكنه يكون في الحقيقة مفك ً كا. وكلما كانت نادرة كان الإنشاء متماس ً كا؛ ولكنه يكون موجبًا للتراخي وداعيًا لتبرم القارئ والتثقيل عليه في سهولة فهم ما بين يديه. فالإفراط في كلٍ من الحالين مذموم، وخير الأمور الوسط على ما هو معلوم. والكاتب القدير والمنشئ النحرير هما اللذان يكون في وسعهما اتباع الطريقة المثلى للجمع بين الميزتين، وهما:
الوضوح، وتسلسل الأفكار وأخذ بعضها برقاب بعض على أسلوب معقول ومقبول.
تلك هي القواعد الواجب مراعاتها في كل حال. ولكن للكاتب مندوحة في الإكثار أو الإقلال من وضع هذه العلامات، بحسب ما ترمي إليه نفسه من الأغراض ولفت الأنظار، والتوكيد في بعض المحال ونحو ذلك مما يريد التأثير به على نفوس القراء. فكما يختلف الناس في أساليب الإنشاء، وكما تختلف مواضع الدلالات كما هو مقرر في علم المعاني، فكذلك الشأن في وضع هذه العلامات.
ولكن الترقيم إذا كان يختلف باختلاف أساليب الإنشاء، فليس في ذلك دليل على جواز الخروج عن قواعده الأساسية التي شرحناها. وإنما يكون ذلك بمثابة تكثير لبيان الأحوال التي تستعمل علاماته فيها.
وملاك الأمر كله راجع لذوق الكاتب، وللوجدان الذي يريد أن يؤثر به على نفس القارئ ليشاركه في شعوره وفي عواطفه.
والممارسة هي خير دليل، يهدي إلى سواء السبيل.