فهرس الكتاب
ثالثًا: قوله ( إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون ) ظاهره وجوب متابعة المأموم للإمام في الجلوس مع القدرة على القيام وقد عورض هذان الحديثان بحديث عائشة في الصحيحين في صلاته - صلى الله عليه وسلم - بالناس في مرض موته وهو قاعد وأبو بكر إلى جنبه قائم والناس وراءه وللعلماء في العمل بهذه الأحاديث ثلاثة مسالك:
(أولها ) مسلك الجمع وهو حمل الأمر بالجلوس على ما إذا ابتدأ الصلاة جالسًا في مرض يرجى برؤه كما جرى في مرضه الأول وحمل وجوب القيام على ما إذا ابتدأ الصلاة قائمًا ثم طرأ عليه الجلوس أو كان في مرض لا يرجى برؤه كما جرى في مرض موته - صلى الله عليه وسلم - وبهذا قال أحمد رحمه الله وجماعة من محدثي الشافعية كابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر رحمهم الله .
( الثاني ) مسلك النسخ وهو القول بوجوب القيام خلف الإمام القاعد لأن تقريره - صلى الله عليه وسلم - للصحابة على القيام في مرض موته نسخ الحكم الأول وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي رحمهم الله
( الثالث ) مسلك الخصوصية وهو مذهب المالكية وهو أنه لا يجوز لأحد أن يؤم جالسًا غير النبي - صلى الله عليه وسلم - واستدلوا بأثر مرسل من طريق الجعفي وهو متروك ومن طريق مجالد وقد تكلموا فيه وهو مع أن روايه متكلم فيه مرسل معارض بفعل الصحابة الذين أموا جالسين والأصل عدم الخصوصية وحكى الحافظ في الفتح أن ابن العربي المالكي قال: لا جواب لأصحابنا يخلص عند السبك واتباع السنة أولى والتخصيص لا يثبت بالاحتمال .
إذا علم هذا فالجمع أقوى هذه الثلاثة المسالك من جهة النظر لأنه لا يرجع إلى النسخ إلا بعد تعذره وقد حصل والله أعلم أهـ .