فهرس الكتاب
وكانوا معه في حجة الوداع فمنهم الملبي ، ومنهم المسبَّح ومنهم المكبَّر ، ولم يعب أحدٌ منهم على أحدٍ [1] ، ونادى منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من غزوة الخندق أن لا يصلينَّ أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة ، فمنهم من صلى العصر في الطريق ، ومنهم من أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة ولم يصلها إلا بعد المغرب ، ولم يصل العصر إلا بعد المغرب ، فلم يعنف النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدًا منهم ، وهذا الحديث هو الدليل على إمكان الاجتهاد وعدم إحالته ، وفيه ردٌ على من يزعم إحالة الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة ، وقد حصل الخلاف بين الصحابة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يوجب عتبًا من بعضهم ، ولا شتمًا من بعضهم لبعض ، ولا تقاطعًا ولا تدابرًا بينهم ، ولو ذهبنا نستعرض الأحاديث الدالة على ذلك لطال علينا ، ولكني سأذكر قصة واحدة تدل على ما ورائها .
ذكر البيهقي في السنن الكبرى وابن قدامة في المغني بصيغة التمريض ، أن عبد الله ابن مسعود قال لسعد بن أبي وقاص: لم توتر بواحدة ؟ فقال له سعد: وأنت ألست تورث ثلاث جدات فهلا ورثت حواء امرأة آدم [2] ، فهذا يدل على أنهم أثاروا هذا الخلاف وقلوبهم مليئة بالحب والإخاء ، أما الخلاف في العقيدة فلم يكن بينهم شيء منه .
(1) ... أخرجه البخاري في العيدين باب: التكبير أيام منى وإذا غدى إلى عرفة عن أنس رقم (970) .
(2) ... البيهقي في السنن (6/235) بلفظ وروى عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: أنتم الذين تفرضون لثلاث جدات ؟ كأنه ينكر ذلك ، وفي رواية أخرى: ورثت حواء من بعلها وإسناده ليس بذاك ، وقال ابن قدامة في المغني (9/56تحقيق التركي) : وحكى عن سعد بن أبي وقاص أنه أوتر بركعة فعابه ابن مسعود قال سعد: أتعيرني وأنت تورث ثلاث جدات ؟ اهـ.