الصفحة 401 من 1281

فهم الصحابة أن التسابق والتنافس إنما يكون في الأعمال التي تقرب من الله وترفع الدرجات في الجنة، لا في الدنيا الفانية وحطامها الزائل أو جاهها المشوب بالأخطاء والممزوج بالأكدار، فذهبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاكين سبق الأغنياء لهم لا بالمال، ولكن بما يكسبونه من أجر بسبب ما أوتوا من المال؛ لأنهم يساوونهم في الصلاة والصوم ويزيدون عليهم بالصدقة والعتق، فأعلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الذكر الذي يدركون به من سبقهم ويسبقون به من بعدهم، ولا يكون أحد أفضل منهم إلا من عمل كعملهم، لكن أصحاب الأموال حينما سمعوا بهذه الفضيلة بادروا إليها فعملوا بها، فبقي الفضل لهم على الفقراء، فجاء الفقراء شاكين مرة أخرى لكي يجدوا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حلًا آخر يساوونهم به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".

فقه الحديث:

أولًا: في هذا الحديث مسألة المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وهي مسألة مشهورة تكلم الناس فيها وألّف فيها بعضهم، وممن علمناه ألّف في هذه المسألة كتابًا مستقلًا العلامة ابن القيم - رحمه الله - ألف فيها كتاب"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"، وألف الصنعاني - رحمه الله- أيضًا كتابًا سماه"السيف الباتر في المفاضلة بين الفقير الصابر والغني الشاكر"ذكره في العدة، وذكر أنه اختصره من كتاب ابن القيم وقال: وهو كتاب بديع ليس له نظير ألّفناه في مكة سنة 1135 هـ.

ومما احتج به لتفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر قوله تعالى:

{أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} (الفرقان: من الآية 75) . قال محمد بن علي بن الحسين: الغرفة الجنة، بما صبروا: على الفقر في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت