فهرس الكتاب
وأما دخول الفقراء إلى الجنة فلا يلزم من ذلك نقص درجة الغني ، بل ربما كان الغني الذي يدخل الجنة متأخرًا أعلى درجة من الفقير الذي سبقه بالدخول ، وأما ما ذمّ الله به الدنيا والمال فإنما تكون مذمومة في حق من أنفق المال في معصية الله ، أما من أنفقه في طاعة الله فهو محمود قال سبحانه وتعالى: { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } (المعارج:24-25) ، وقال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } (الليل:5-7) .
وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد جمع الله له بين درجتي الغني الشاكر والفقير الصابر فكم قد أتاه من المال فأباه وأنفقه في طاعة مولاه - عليه الصلاة والسلام - ومن الأدلة على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهز كل الوفود على كثرتهم في السنوات الأخيرة بعد فتح مكة ، ومع ذلك فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير أخذها نفقة لأهله ، ومن الأدلة على تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر ، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"في هذا الحديث .
قال الصنعاني في العدة: قال من فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر لنا أدلة واسعة وكلمات للخير جامعة: الأول أن الله أثنى على أعمال في كتابة لا تتم إلا للأغنياء ، كالزكاة والإنفاق في وجوه البر والجهاد في سبيل الله بالمال وتجهيز الغزاة ورعاية المحاويج وفك الرقاب والإطعام في يوم المسغبة ، وأين يقع صبر الفقير من فرحة المضطر الملهوف المشرف على الهلاك ، وأين يقع صبره من نفع الغني بماله في نصرة دين الله وإعلاء كلمته وكسر أعدائه ؟ وأين يقع صبر أهل الصفة من إنفاق عثمان - رضي الله عنه - تلك النفقات حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم"؟ .