الصفحة 407 من 1281

تمتاز شريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من بين سائر الشرائع السماوية بالسماحة واليسر وإزاحة كل حرج ومشقة عن المكلفين أو تخفيفهما ، ومن التخفيفات المرموقة في شريعتنا الجمع في السفر بين الصلاتين المشتركتين في الوقت وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء تقديمًا وتأخيرًا في وقت إحداهما مقصورتين ، فهذا ابن عباس - رضي الله عنه - يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا كان على ظهر سير .

فقه الحديث:

أولًا: في قوله: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع في السفر بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ، ويجمع بين المغرب والعشاء ، دليل لمن قال إن الجمع في السفر مشروع وهم الجمهور ، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد ؛ لأن كان تقتضي في الغالب الاستمرار على الشيء ومعاودته مرة بعد مرة .

وذهب الحسن وابن سيرين وأبو حنيفة وصاحباه إلى أن الجمع لا يشرع إلا في عرفة ومزدلفة فقط ، وحملوا ما ورد في الجمع من نصوص على الجمع الصوري وهو تأخير الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الأخرى في أول وقتها ، ورُدَّ عليهم بأن الجمع شرع لإزالة المشقة والحرج عن الأمة ، وهذا أكثر مشقة من جمع الصلاتين في وقت إحداهما لأمور:

أولًا: لأن معرفة أوائل الأوقات وأواخرها لا يتسنى لكثير من الخاصة ، فكيف بالعامة ؟ .

ثانيًا: لأن ذلك يوجب تكرار النزول لكي يعرف أوائل الأوقات وأواخرها بالظل ، وفي هذا مشقة أكثر من النزول لأداء الصلاة في وقت إحداهما ، وذلك ينافي رفع الحرج الذي امتن الله به على عباده حيث يقول: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج } (الحج: من الآية78) .

ثالثًا: أن الأحاديث الواردة في الجمع في السفر صحيحة وصريحة ، وحملها على ما ذكر تعطيل لسنة ثابتة لا يعذر أحد عن الأخذ بها والعمل بموجبها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت