فهرس الكتاب
قلت: من سوّغ الجمع دائمًا وأبدًا من غير عذر من أعذار الجمع الثلاثة التي هي السفر والمرض والمطر استنادًا إلى قول شخص بعينه، فقد اتخذه مشرعًا ودخل في هذه الآية {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ} (الشورى: من الآية 21) . وليعد للسؤال جوابًا، لأنه رفض النصوص الشرعية الدالة على التوقيت من كتاب وسنة، وما أكثرها، وأخذ بقول من ليس بمعصوم، فإلى الله المشتكى، وبين يديه الملتقى، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
قال الشوكاني - رحمه الله: وأما التمسك بحديث جمعه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة فهذا وقع مرة واحدة، وتأوله كثير من الراوين للحديث، وحمله بعضهم على الجمع الصوري لتصريح جماعة من رواته بذلك، وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة وذكرنا في شرح المنتقى ما ينتفع به طالب الحق. اهـ.
قلت: حديث ابن عباس قال راويه لما سُئل: لم فعل ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. ومعنى ذلك - والله أعلم: أنه صلوات الله وسلامه عليه أراد أن يشرع لأمته شرعًا للضرورات، كأن يقع مثلًا حريق والناس يدأبون على إطفائه وإنقاذ من يمكن إنقاذه، أو دهمهم سيل أو فيضان والناس في إنقاذ الأرواح والأموال، أو حصل زلزال تهدمت بسببه أبنية والناس يدأبون في إنقاذ من تحت الأبنية لعلهم يجدون بعضهم أحياء، أو يكون للإنسان مريض لا يوجد له أحد غيره فإذا تركه تضرر، فهذا يجوز له الجمع لتمريض مريضه.
ومما سبق يتبين أن مذهب الجمهور وسط بين الإفراط والتفريط.
فالإفراط في مذهب الحنفية: الذين منعوا الجمع في غير عرفة ومزدلفة.
والتفريط في مذهب الهادوية: الذين أجازوا الجمع لأي عمل من أعمال الدنيا، بل قد اتخذه أتباع هذا المذهب ديدنًا بل قد أسقطوا وقت العصر والعشاء من الحساب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.