يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النُّور: 33] (1) .
الوجه الثامن: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَرَعَ للغضبان أن يقولَ: «أعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرَّجيم» (2) ، وأن يتوضَّأَ، وأن يتحوَّل عن حالتِه؛ فإنْ كان قائمًا فليقعدْ، وإذا كان قاعدًا فليضطجعْ (3) ،
(1) روى ابن جرير (18/ 133) ، عن ابن عباس في الآية قال: كانوا في الجاهلية يُكْرهون إماءَهُمْ على الزنا، يأخذون أجورهنّ، فقال الله: لا تكرهوهن على الزنا مِن أجل المَنَالَةِ في الدنيا، ومن يكرههنَّ فإنَّ الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهنَّ، يعني: إذا أكرهْنَ. وعن مجاهد قال: كانوا يأمرون ولائدهم يُبَاغِين، يفعلن ذلك. فيصبن فيأتينهم بكسبهنّ، فكانت لعبد الله بن أُبَيِّ بنِ سَلُول جاريةٌ، فكانت تباغي، فكرهَتْ وحلفَتْ ألَاّ تفعله، فأكرَهَها أهلها، فانطلقت فباغت ببُرْدٍ أخضر فأتتهم به، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية.
وقوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} ليس لتخصيص النهي به وإخراج ما عداه، بل لخروجه مَخْرَجَ الأغلب، أو مخرَجَ المبالغة في الزجر، والتنبيهِ على أن المولى أحقُّ بإرادته، أو لعدم شرط التكليف إذا تخلَّف؛ لأنهنَّ إذا لم يُردن التحصُّن لم يَكْرَهن البغاء، فلا يمكنُ الإكراه عليه. أفاده الفَنَاريُّ في «فصول البدائع» (2/ 194) .
وإيثار كلمة «إنْ» على «إذا» للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصُّن في حيز التردُّد والشك، فكيف إذا كانت محقَّقة الوقوع. (القاسمي) .
(2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (49) .
(3) رواه هنَّاد في «الزهد» (1309) ، وأبو داود (4782) ، ومن طريقه: البيهقي في «شعب الإيمان» (14/ 394) رقم (7932) ، والبغوي في «شرح السُّنة» (13/ 162) ، ورواه أيضًا ابن حبان (5688) كلهم من طريق أبي معاوية، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذرٍّ قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فَلْيجلسْ، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فَلْيضطجعْ» .
قال الدارقطني: الصحيح حديث حرب بن أبي الأسود -المرسل- عن أبي ذرٍّ. «العلل» (6/ 277) رقم (1135) .
قال ابن حجر: هذا حديث حسن! «الأمالي المطلقة» (ص/ 183) .
قلت: وفي تحسينه نظر، قال المزيُّ: «لا يُحفظ له [أي: أبي حرب] سماع من أبي ذرٍّ» . «تحفة الأشراف» (12001) والحديث مرسل كما قال الدارقطني.
ورواه أحمد (5/ 152) عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذرٍّ، به.
أي: زاد: أبا الأسود.
قال ابن حجر: وهي زيادة غير محفوظة «الأمالي المطلقة» (ص/ 183) .
فائدة: نقل الحافظ ابن حجر في «الأمالي المطلقة» نقلًا مهمًا عن «العلل» للدارالقطني في ترجيح الوجه الأول، وقد سقط من المطبوع!
ورواه أبو داود (4783) ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» عن داود بن أبي هند، عن بكر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، به. مرسلًا.
قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين (يعني: المرسل) .