فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 301

ووقاية للعالم وداعية إلى دين الله . واستخلفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عمله ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته .

أغرب انقلاب وقع في تاريخ البشر:

لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه - صلى الله عليه وسلم - في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر ، وقد كان هذا الانقلاب غريبًا في كل شيء: كان غريبًا في سرعته وكان غريبًا في عمقه وكان غريبًا في سعته وشموله . وكان غريبًا في وضوحه وقربه إلى الفهم . فلم يكن غامضًا ككثير من الحوادث الخارقة للعادة ، ولم يكن لغزًا من الألغاز . فلندرس هذا الانقلاب عمليًا ، ولنتعرف مدى تأثيره في المجتمع الإنساني والتاريخ البشري .

تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول:

كان الناس- عربًا وعجمًا- يعيشون حياة جاهلية ، يسجلون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم ، لا يثيب الطائع بجائزة ولا يعذب العاصي بعقوبة ولا يأمر ولا ينهى ، فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم ، ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم ، ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم . كانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لا ناس خلع عليهم خلعة الربوبية . فأخذوا بأيديهم أزمّة الأمر وتولوا إدارة المملكة وتدبير شئونها وتوزيع أرزاقها ، إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة ، فكان إيمانهم بالله لا يزيد على معرفة تاريخية ، وكان إيمانهم بالله وإحالتهم خلق السموات والأرض إلى الله لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ يقال له: من بنى هذا القصر العتيق ؟ فيسمى ملكًا من الملوك الأقدمين من غير أن يخافه يخضع له ، فكان دينهم عاريًا عن الخشوع لله ودعائه ، وما كانوا يعرفون عن الله ما يحببه إليهم ، فكانت معرفتهم مهمة غامضة ، قاصرة مجملة ، لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة .

وهذه الفلسفة اليونانية قد عرفت بواجب الوجود في سلوب ، ليست فيها صفة مثبتة من صفات القدرة والربوبية والإعطاء المنع والرحمة ، ولم تثبت له إلا الخلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت