فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 301

الفصل الثاني

الجنسية والوطنية في أوربا

انكسار الكنيسة اللاتينية سبب قوة العصبية والقومية والوطنية:

قدمنا أن الوطنية والقومية والاعتداد الشديد بالشعب والموقع الجغرافي من خصائص الطبع الأوربي الذي سرى في العنصر الأوربي مسرى الروح ، وجرى منه مجرى الدم وأصبح طبيعة ثانية له ، ولكن النصرانية قهرت هذه الطبيعة ، لأنها - على علاتها ، وبرغم ما طرأ عليها من التحريف والتبدل - لا يزال عليها مسحة من تعليم المسيح ، وفيها أثارة من علمه ، والدين السماوي مهما تحرف وتغير لا يعرف الفرق المصطنعة بين الإنسان والإنسان ، ولا يفرق بين الأجناس والألوان والأوطان ، فجمعت النصرانية الأمم الأوربية تحت لواء الدين وجعلت من العالم النصراني عشيرة واحدةِ ، وأخضعت الشعوب الكثيرة للكنيسة اللاتينية فغلبت العصبية القومية والنعرة الوطنية ، وشغلت الأمم عنها لمدة طويلة ، ولكن لما قام لوثر سنة 1483 - 1526 م بحركته الدينية الإصلاحية الشهيرة ضد الكنيسة اللاتينية ، ورأى من مصلحة مهمته أن يستعين بالألمان جنسه ونجح في عمله نجاحًا لا يستهان بقدره ، وانهزمت الكنيسة اللاتينية في عاقبة الأمر فانفرط عقدها ، استقلت الأمم ، وأصبحت لا تربطها رابطة ، ولم تزل كل يوم تزداد استقلالًا في شؤونها وتشتتًا . حتى إذا اضمحلت النصرانية نفسها في أوربا قويت العصبية القومية والوطنية ، وكان الدين والقومية ككفتي ميزان كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى ، ومعلوم أن كفة الدين لم تزل تحف كل يوم ، ولم تزل كفة منافسته راجحة ، وقد أشار إلى هذه الحقيقة التاريخية الفاضل الإنجليزي المعروف لورد لوثين Lord Lothian السفير البريطاني السابق في أمريكا في خطبته التي ألقاها في حفلة جامعة عليكرة في يناير سنة 1938 م .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت