فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 301

الباب الرابع

العصر الأوربي

الفصل الأول

أوربا المادية

طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها:

قبل أن ننظر ماذا أثّر تحول القيادة من الأمم الإسلامية إلى الأمم الأوربية في عقلية العالم وأخلاق الشعوب والأمم والمدنية والاجتماع واتجاهات الإنسانية وميولها ، وماذا جنى منه النوع الإنساني ، وهل كان ربحه أكثر من خسارته ورزئه أو بالعكس ؟ .. يجب علينا أن نعرف طبيعة الحضارة الغربية ووضعها وروحها وفلسفة حياة هذه الأمم وكيف نشأت ؟

ليست الحضارة الغربية في القرن العشرين المسيحي وليدة هذه القرون المتأخرة التي تلت القرون المظلمة في أوربا أو حديثة كما يتوهم كثير من الناس ، بل يرجع تاريخها إلى آلاف من السنين ، فهي سليلة الحضارة اليونانية الحضارة الرومية قد خلفتهما في تراثهما السياسي والعقلي والمدني ، وورثت عنهما كل ما خلفتا من ممتلكات ونظام سياسي وفلسفة اجتماعية ، وتراث عقلي وعلمي ، وانطبعت فيها ميولهما ونزعاتهما وخصائصهما. بل انحدرت إليها في الدم ، فقد كانت الحضارة اليونانية أول مظهر رائع - حفظه لنا التاريخ - للعقلية الأوربية . وأول حضارة - سجلها التاريخ - قامت على أساس الفلسفة الأوربية تجلت فيها النفسية الأوربية ، وعلى أنقاضها قام صرح الحضارة الرومية تحمل روحًا واحدة هي الروح الأوربية ، وظلت الشعوب الأوربية طيلة قرون محتفظة بخصائصها وطبيعتها ، وارثة لفلسفتها وعلومها وآدابها وأفكارها ، حتى برزت بها في القرن التاسع عشر في ثوب برّاق يوهمك - بطلاوته وزهو ألوانه - أنه جديد النسج ولكن لحمته وسداه من نسج اليونان والرومان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت