الفصل الثاني
رحلة المسلم من الجاهلية إلى الإسلام
دفاع الجاهلية عن نفسها
ما أخطأ المجتمع الجاهلي فهم هذه الدعوة ومراميها ، وما غُمَّ على أهله أمرها ، وأدركوا عندما قرع أسماعهم صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن دعوته إلى الإيمان بالله وحده سهم مسدَّد إلى كبد الجاهلية ونعي لها ، فقامت قيامة الجاهلية ودافعت عن تراثها دفاعها الأخير ، وقاتلت في سبيل الاحتفاظ به قتال المستميت ، وأجلبت على الداعي - صلى الله عليه وسلم - بخيلها ورجلها ، وجاءت بحدها وحديدها: {وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } ووجد كل ركنٍ من أركان هذه الحياة ومن أثافي الجاهلية نفسه مهددًا وحياته منذرة ، وهنا وقع ما تحدث عنه التاريخ من حوادث الاضطهاد والتعذيب ، وكان ذلك آية توفيق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أصاب الغرض ، وضرب على الوتر الحساس ، وأصاب الجاهلية في صميمها وفي مقتلها ، وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - على دعوته ثبوتًا دونه ثبوت الراسيات ، لا يثنيه أذى ، ولا يلويه كيد ، ولا يلتفت إلى إغراء ، ويقول لعمه: (( يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه [1] ) .
في سبيل الدين الجديد:
مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة حجة يدعو إلى الله وحده والإيمان برسالته واليوم الآخر في كل صراحة ، لا يكنى ولا يلوّح ولا يلين ، ولا يستكين ولا يحابي ولا يداهن ويرى في ذلك دواء لكل داء ، وقامت قريش وصاحوا به من كل جانب ، ورموه عن قوس واحدة ، وأضرموا البلاد عليه نارًا ليحولوا بينه وبين أبنائهم وإخوانهم فأصبح الإيمان به والانحياز له جد الجد ، لا يتقدم إليه إلا جاد
(1) 137) البداية والنهاية ج 3 ص 33 .