فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 301

الفصل الثاني

الانحطاط في الحياة الإسلامية

الحد الفاصل بين العصرين

قال أحد الأدباء: (( أمران لا يحدد لهما وقت بدقة ، النوم في حياة الفرد ، والانحطاط في حياة الأمة ، فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا ) )إنه لحق في قضية أكثر الأمم ، ولكن بدأ التدلّي والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى ، ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال لوضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين .

نظرة في أسباب نهضة الإسلام:

كان زمام القيادة الإسلامية- والعالمية بالواسطة- بيد الرجال الذين كان كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، إيمانًا وعقيدة وعملًا وخلقًا وتربية وتهذيبًا وتزكية نفس وسمو سيرة ، وكمالًا واعتدالًا ، لقد صاغهم النبي - صلى الله عليه وسلم - صوغًا ، وصبهم في قالب الإسلام صبًا ، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام لا في الميول والنزعات ، ولا في الرغبات والأهواء ، ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم وأخلاقهم مأخذًا جاهليًا ينافي روح الإسلام والنفسية الإسلامية ، ولو تمثل الإسلام بشرًا لما زاد على أن يكون كأحدهم ، وكانوا كما قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما ، فكانوا أئمة يصلون بالناس ، وقضاة يفصلون قضاياهم ، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم ، وأمنة لأموال المسلمين وخزنتهم ، وقوادًا يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب ، وأمراء يباشرون إدارة البلاد ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله ، وكان الواحد منهم في آن واحد تقيًا زاهدًا وبطلًا مجاهدًا ، وقاضيًا فهمًا ، وفقيهًا مجتهدًا وأميرًا حازمًا وسياسيًا محنكًا ، فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين ، حوله جماعة ممن تخرجوا- إن صح التعبير- في هذه المدرسة ، المدرسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت