النبوية ، أم المسجد النبوي ، أفرغوا في قالب واحد يحملون روحًا واحدة ، وتلقوا تربية واحدة ، يستشيرهم الخليفة ويستعين بهم ، فلا يقطع أمرًا ذا بال حتى يشهدوه فسرت روحهم في المدنية ونظام الحكم وحياة الناس واجتماعهم وأخلاقهم ، وانعكست ميولهم ورغباتهم في المدنية وظهرت خصائصهم فيها ، فلا عداء بين الروح والمادة ولا صراع بين الدين والسياسة ولا تفريق بين الدين والدنيا ، ولا تجاذب بين المصالح والمبادئ ولا تزاحم بين الأغراض والأخلاق ، ولا تناحر بين الطبقات ، ولا تنافس في الشهوات .
شروط الزعامة الإسلامية:
إن الزعامة الإسلامية تقتضي صفات دقيقة ، واسعة جدًا نستطيع أن نجمعها في كلمتين"الجهاد"و"الاجتهاد"، فهاتان كلمتان خفيفتان بسيطتان ، ولكنهما كلمتان جامعتان عامرتان بالمعاني الكثيرة .
الجهاد:
أما الجهاد فهو بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب ، وأكبر وطر للمسلم طاعة الله ورضوانه والخضوع لحكمه والإسلام لأوامره ، وذلك يحتاج إلى جهاد طويل شاق ضد كل ما يزاحم ذلك من عقيدة وتربية وأخلاق وأغراض وهوى وكل من ينافس في حكم الله وعبادته من آلهة في الأنفس والآفاق ، فإذا حصل ذلك للمسلم وجب عليه أن يجاهد لتنفيذ حكم الله وأوامره في العالم حوله وعلى بني جنسه ، فريضة من الله وشفقة على خلق الله ، ولأن الطاعة الانفرادية قد تصعب وتمتنع أحيانًا بغير ذلك ، وذلك ما يسميه القرآن"الفتنة"ومعلوم أن العالم كله بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان خاضع لمشيئة الله وأحكامه التكوينية وقوانينه الطبيعية {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } فيتعين أن جهاد المسلم إنما هو لتنفيذ شريعته التي جاء بها الأنبياء ،