فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 301

وكان لا يزال بالعهد الراحل رمق وبقية من حياة تنازع الموت وتحاول البقاء ، فكان لا يزال في الناس رجال يدعون إلى الدين وإصلاح النفوس وتزكيتها وتهذيب الأخلاق وتصفيتها وهم تذكار لسلفهم في زهدهم في الدنيا والإقبال على الآخرة والإخلاص واتباع السنة ، وكانت لا تزال لهم دعوة في الناس ، والمسلمون يعدون الاتصال بهؤلاء والتمسك بأهدابهم حقًا من حقوق الدين وواجبًا من واجبات الحياة ، وكان بعض الأغنياء والأمراء وأرباب الدنيا ، لهم اهتمام زائد بحسن الخاتمة وأمور الآخرة وصلاح القلب وعمارة الباطن ، ولكن كان هذا كله أشبه بالتهاب السراج قبل الانطفاء ، فقد ذوى أصل الشجرة الدينية ، وانقطعت عنها مادة الحياة ، وهبَّ عليها إعصار فيه نار .

سرى الشك وسوء الظن في الأوساط الدينية والبيوت العريقة في الدين والعلم بتأثير المحيط وبتأثير التعاليم الإفرنجية وضعفت الثقة بالله وبصفاته وبمواعيده ، فأصبح الآباء يضنون بأولادهم على الدين ، ولا يخاطرون بأوقاتهم وقواهم في سبيل الدين وعلوم الدين ، وأصبحوا يعلمونهم العلوم المعاشية واللغات الإفرنجية ، لا رغبة في تحصيل المفيد النافع ولا دفاعًا عن الإسلام بل زهدًا في الدين وفرارًا من خطر المستقبل وخوفًا على أفلاذ أكبادهم من الضياع واستسلامًا للدهر المتقلب ، وتسلط عليهم خوف الفقر حتى أصبحوا من خوف الموت في الموت .

وهكذا انقرض هذا الجيل وطوي هذا البساط ، ولفظ هذا العهد الروحي نفسهُ الأخير ، وتلاه عهد المادة ، وأصبحت الدنيا سوقًا ليس فيها إلا البيع والشراء .

طغيان المادية والمعدة:

رووا أن شاعرة جاهلية هي (( كبشة بنت معد يكرب ) )عاتبت أخاها عمرو بن معد يكرب ، وعيرته بميله إلى قبول دية أخيه المقتول فقالت:

ودع عنك عمْرًا إن عمْرًا مسالم *** وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت