فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 301

أدوار التاريخ المدون ، وأصبح المال هو الروح الساري في جسم المجتمع البشري والحافز الأكبر للناس على أعمالهم ونشاطهم المدني ، وقد يدفع المخترع إلى الاختراع والصانع إلى صناعته والسياسي إلى مقالته والمرشح إلى انتخابه والعالم إلى تأليفه ، حتى القادة إلى الحرب ، فهو القطب الذي تدور حوله رحى الحياة العصرية كما يقول الأستاذ (( جود ) )معلم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن: (( إن النظرية المهيمنة السائدة على هذا العصر هي النظرية الاقتصادية ، وأصبح البطن أو الجيب ميزانًا لكل مسألة فبمقدار اتصالها بالجيب وتأثيرها فيه يقبل الناس عليها ويعنون بها ) ).

إذا حكمت على عصرك وطبائعه وأذواقه وأنت بمعزل عن الحياة ، وبنيت حكمك على مؤلفات ومقالات إنما تكتب في زاوية من زوايا الكتب فإنك تغالط نفسك ، وقد تقرأ في هذه الكتب الفلسفية أو المقالات العلمية التحليلية كأنك في عصر متمدن راق تتحكم فيه معايير الأخلاق وتسود فيه المثل العليا ويغشاه سحاب الفضيلة والنبل ، وتحلق عليه روح الديانة والعلم ، ولكن الواقع غير ذلك ، فإن هذه الكتب إنما ألفت في عالم الخيال الذي يعيش فيه مؤلفوها ، وإن أهواءهم وأذواقهم هي التي خلقت لهم عالم خياليًا يصفونه ويصورونه في كتبهم ، حتى يخيل إلى القارئ أنه هو العالم المحيط به .. وللأهواء عجائب وخوارق .

ولكنك إذا اتصلت بالحياة عن كتبٍ لا عن كُتبٍ ، وخالطت الناس ودرست أحوالهم وأصغيت إلى حديثهم في البيت وفي القطار والبستان وعلى المائدة وفي السمر ، رأيت ( الذهب ) حديث النوادي وشغل الألسنة وهوى القلوب ، والبداية والنهاية في كل موضوع ، والقطب الذي تدور حوله رحى الحياة .

إن شاعرًا عربيًا يلعن الصعلوك الذي لا يتعدى نظره ولا يسمو فكره عن لباس وطعام ويقول:

لحا الله صعلوكًا مناه وهمه *** من العيش أن يلقى لبوسًا ومطعمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت