وكان حب الأبناء لآبائهم وبرهم وحرصهم على أداء حقوقهم غير مقتصر على حياة الأبوين ، بل كان يستمر إلى ما بعد وفاتهما أصدقائهما وأهل أنسهما والإهداء إليهم والتحبب إلى أولادهم وعشيرتهم ، وكان ذلك عملًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن من أبر البر بر الرجل بأهل ود أبيه بعد أن يولي ) ).
وكان الأبوان مثلًا للنصح والإخلاص في حبهما للأولاد ، وكانا يضحيان بجميع أهوائهما وميولهما وراحتهما وبلذة الأمومة والأبوة في سبيل تثقيفهم وتربيتهم وتعليمهم ، ويتحملان في ذلك - حتى الرجل الأمي والمرأة الجاهلة - إجحاف المعلمين وعسفهم وإضرارهم في بعض الأحيان بجسم الصغار ، ويجرعان المرائر ويصبران على الغصص في سبيل الأولاد ونبوغهم ، وقد تواضع على ذلك أهل البيوتات والشرف حتى أهل الطبقات الوضيعة ، ويعدون من خالف ذلك رجلًا نذلًا لئيما، والذي روي عن هارون الرشيد في تنبيهه لولديه الأمين والمأمون ووصيته لهما بخدمة الكسائي معروف في التاريخ ؛ ومن غرائب ما يروى في هذا الباب ويمثل الطبيعة الشرقية أن (( تاج الدين ألدز ) )أمير الأفغان بعد السلطان شهاب الدين الغوري أسلم ولده إلى معلم وضرب المعلم الولد حتى مات ، فلما علم بذلك (( تاج الدين ) )أشار على المعلم بأن يهرب وقال: (( لا آمن عليك من أم الولد فعسى أن ينالك منها مكروه ) ).
وكانت الرابطة بين الصغير والكبير في المجتمع الإسلامي مؤسسة على تعاليم الشرع (( من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا ) ).
ومن خصائص الحضارة الشرقية الاطراد في الحياة والمحافظة على لون واحد والتظاهر بمظهر واحد ، فكان الرجل إذا شرع في أمر وتظاهر بمظهر واصله إلى غايته ، وإذا اتخذ عادة أو شارة في اللباس أو عامل أحدًا نوع معاملة واظب عليه إلى آخر أنفاسه ، لا تؤثر في ذلك الحوادث ولا تغيره الفصول ولا انحراف الصحة ولا الكسل ولا المصالح