ومدنيتهم الزاهرة ، وإطلاع العالم العربي على حقائق الأمور ، وسير الحوادث في نزاهة وتجرد وصدق [1] ) ولطالما سمعناهم وقرأنا لهم إشادة بإيمان هذه الحكومات بالديمقراطية الصحيحة وجهادها لتوطيد الأمن العام وسلام العالم وحرية الأمم المستضعفة والبلاد المهضومة ، ورفعها لراية العدل والمساواة ، والأخذ للمظلوم من الظالم ، وقيامها للحق .. الخ .
فأن كان هؤلاء المتحدثون لا يرضى ضميرهم بما يقولون , ويعرفون أن هذه الكلمات في غير محلها , وإنما هو كله لمصالحهم المالية , فيالانحطاط النفس الشريفة , ويا لرخص السلعة الغالية , ويا ضيعة الكلمات العامرة بالمعاني , ويا شقاء اللغة العربية بأهلها !0وإذا كان ذلك عن اعتقاد وثقة وفهم للمعنى , فيا جهلًا بالحقائق , ويا إنكارًا للمحسوس , ويا مسخًا للقلوب !0
وهذا عصر التناقض فيكتب أديب أو صحافي اليوم كتابًا حماسيًا في سيرة بطل من أبطال الجهاد الإسلامي , أو مجدد من مجددي الإسلام , ولا يجف مداد مقالته أو كتابه ذلك حتى يكتب بقلمه تقريظًا أو ثناء على خائن من خونة الأمة , أو صنيعة من صنائع الأجانب لمصلحة سياسية ومنفعة مالية , ولا يرى في ذلك تناقضًا .
طلب ملك من ملوك العرب من شاعر عربي فرسه , فاعتذر أن يعطيها بأي ثمن كان وقال:
أبيت اللعن إن سكاب علق *** نفيس لا تعار ولا تباع
ولكن كأن الضمير عند هؤلاء الذين يشتغلون في الحكومات الأجنبية ، أو يذيعون من محطاتها ما لا يرضى به ضميرهم ولا يصدق علمهم ، أو يصدرون صحفًا ، أو يؤلفون كتبًا على جعالة أو راتب شهري ؛ أذل وأرخص من جواد الجاهلي فهو يعار ويباع ، وذلك لم يكن لعيار ولا ليباع .
وكانت الروابط والأواصر في الشرق - في الغالب - قائمة على أساس غير مادي إما عقلي وإما روحي ووجداني ، وكان للأثرة والأنانية فيها نصيب ضئيل ، وكان
(1) 251) الكلمات التي بين القوسين منقولة لفظًا .