فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 301

للأفعال الخلقية في نظرهم إلا بما تأتي به المسرة لغالب بني النوع ، ويرى هؤلاء أن السعادة هي أن تتوافر للناس بأعمالهم اللذات وتبعد عنهم الآلام .

ويرى القارئ ويلمس الروح المادي المتعشق للذة والهناء في آراء هذا المذهب ونزعاته من أحطها وأكثرها إسفافًا إلى أرقاها وأكثرها تحليقًا ، وهذا يختلف عن طبائع الشرق وشرائع السماء اختلافًا بينًا . وقد أثرت هذه النزعة المادية في فلسفة الغرب وأخلاقه وأدابه وحضارته تأثيرًا عميقًا ، ولا تزال مهيمنة على الحياة الغربية وآدابها حتى اليوم

ثم نزعوا دائمًا في تشخيص المنفعة ووزنها إلى المادية لأنهم احتكموا فيها إلى أذهانهم وعقولهم ، وقد أصبحت مادية بحتة ، لأنها بحقيقة لا تأتي تحت الحس أو المساحة أو العد أو الوزن، ولا تؤمن بمنفعة لا تجلب لذة وهناء، حتى مؤسس هذا المذهب (( أبيقور م 271ق.م ) )صرح بأن مناط الحكم على الأعمال هي المنفعة ، وأن المنفعة لا قيمة لها إلا إذا اجتلبت لذة واغتباطًا ، فكيف وقد تدرجت العقول والطبائع الغربية ومردت على النزوع المادي على تعاقب الأجيال والعصور ؟! .

فكان نتيجة ذلك أن الذهن الغربي والمنطق العصري أصبحا عاجزين عن الاهتداء إلى منفعة غير محسوسة لا تجلب لذة واغتباطًا ، وأصبح العقل الأوربي محاميًا عن المادية لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية ، وبحسب ما يكتسب المجتمع بواسطتها من اللذة والهناء ، والأفراد من الاغتباط والرخاء ، فأصبح الربح المادي هو الميزان للأخلاق والفارق بين الشر والخير ، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في ميزان المادة ، ليس لها قيمة إلا القيمة الدينية أو الخلقية في المصطلح القديم ينتقص كل يوم سلطانها على القلوب والعقول ، وتعدم أنصارًا وتصبح من شعائر القديم وذكريات العهد الماضي كحنان الأبوين وحبهما للأولاد ، ووفاء الأزواج وحفظهن للغيب ، وتحل محل هذه الأخلاق المقدرة الصناعية والاختراع والإنتاج والوطنية والجنسية ولا تزال ترتفع قيمتها ويرجع وزنها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت