الأمناء ، ثم لا توليهم أمورهم إلا على حذر ، فإذا رأت منهم عجزًا أو خيانة أو رأت أنهم مثلوا دورهم وانتهوا من أمرهم استغنت عنهم وأبدلت بهم رجالًا أقوى منهم وأعظم كفاءة وأجدر بالموقف ، ولم يمنعها من إقالتهم أو إقصائهم من الحكم ماضيهم الرائع وأعمالهم الجليلة وانتصارهم في حرب ، أو نجاحهم في قضية وبذلك أمنت السياسيين المحترفين ، والقيادة الضعيفة أو الخائنة ، وخوف ذلك الزعماء ورجال الحكم وكانوا حذرين ساهرين يخافون رقابة الأمة وعقابها وبطش الرأي العام .
فمن أعظم ما تخدم به هذه الأمة وتؤمن من المهازل والمآسي التي لا تكاد تنتهي هو إيجاد الوعي في طبقاتها ودهمائها وتربية الجماهير التربية العقلية والمدنية والسياسية ، ولا يخفى أن الوعي غير فشو التعليم وزوال الأمية وإن كانت هذه الأخيرة من أنجح وسائلها ، وليعرف الزعماء السياسيون والقادة أن الأمة التي يعوزها الوعي غير جديرة بالثقة ولا تبعث حالتها على الارتياح وإن أطرت الزعامة والزعماء وقدستهم فإنها - ما دامت ضعيفة الوعي - عرضة لكل دعاية وتهريج وسخرية كريشة في فلاة تلعب بها الرياح ولا نستقر في مكان .
استقلال البلاد العربية في تجارتها وماليتها:
وكذلك لابد للعالم العربي - كالعالم الإسلامي - من الاستقلال في تجارته وماليته وصناعته وتعليمه ، لا تلبس شعوبه وجماهيره إلا ما تنبته أرضه وتنسجه يده ، وتستغني عن الغرب في جميع شئون حياتها ، وفي كل ما تحتاج إليه من كسوة ، وطعام ، وبضائع ، ومصنوعات ، وأسلحة وجهاز حربي ، وآلات وماكينات ، وأدوية ، فلا تكون كلًا على الغرب وعيالًا عليه في معيشتها ومتطفلة على مائدته .
إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الغرب - إذا احتاج إلى ذلك ودعت إليه الظروف - وهو مدين له في ماله ، عيال عليه في لباسه وبضائعه ، لا يجد قلمًا يوقع به على ميثاق مع الغرب ، إلا الرصاص الذي أفرغ في الغرب ، إن عارًا على الأمة يجري ماء الحياة في عروقها وشرايينها إلى أجسام غيرها ، وأن يدرب جيوشها