ضاقوا بها إلى الإنسانية الواسعة التي يشرفون عليها ويوجهونها ، وأصبحوا بفضل هذا التطور العظيم الذي فاجأ العرب وفاجأ العالم يقولون بكل وضوح وشجاعة لإمبراطور المملكة الفارسية العظيمة وأركان دولته: (( الله ابتعثنا لنخرج بنا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ،ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ) ).
نعم لقد خرجوا من ضيق الدنيا أولًا إلى سعتها ثم أخرجوا الأمم من ضيق الدنيا إلى سعتها آخرًا ، وهل أضيق من الحياة القبلية والجنسية ، وأوسع من الحياة الإنسانية الآفاق ؟ وهل أضيق من الحياة التي لا يفكر فيها إلا في المادة الزائلة والحياة الفانية ولا يجاهد إلا في سبيلها من الحياة الإيمانية الروحانية التي لا نهاية لها ولا تحديد . !؟
لقد خرجوا من ضيق جزيرة العرب ، ومن ضيق الحياة فيها ، ومن ضيق التفكير في مسائلها ومصالحها ، ومن ضيق التناحر على سيادتها ، ومن ضيق التكالب على حطامها القليل وملكها الضئيل وعيشها الذليل ، إلى عالم جديد من السيادة الروحية والخلقية والعلمية والسياسية ، ليس الدانوب الفائض والنيل السعيد والفرات العذب والسند الطويل إلا سواقي حقيرة وترعًا صغيرة فيه ، وليست جبال الألب والبرانس وعقاب لبنان وقمم همالايا إلا تلالًا متواضعة وسدودًا صغيرة ، وليست البلاد كالهند والصين وتركستان إلا أحياء ضيقة وحارات صغيرة ، ونقطًا مغمورة في هذا العالم ، وليست هذه الأرض كلها - إذا نظر إليها من ارتقى إلى قمة هذه السيادة - إلا خريطة صغيرة ملونة يراها الطائر المحلق في السماء ، وليست الأمم الكبيرة - مع ثقافتها وحضاراتها وآدابها - إلا أسرًا صغيرة في أمة كبيرة .
لقد قام العالم الكبيرة على أساس العقيدة الواحدة ، والإيمان العميق والصلة الروحية القوية ، وكان أوسع عالم عرفه التاريخ وكانت الشعوب التي تكون هذا العالم أقوى أسرة عرفها التاريخ ، تنصهر فيها الثقافات المختلفة ، والعبقريات المختلفة ، فتكون منها ثقافة واحدة هي الثقافة الإسلامية ، التي لم تزل تظهر في نوابغ الإسلام