وهكذا كان ، فقد ظلت هذه الأمم المفتوحة تعتبر العرب المنقذ من الجاهلية والوثنية ، والداعي إلى دار السلام ، والقائد إلى الجنة ، والمعلم للحضارة ، والأستاذ في الأدب .
هذه هي القيادة العالمية التي هيأتها البعثة المحمدية ، وهي القيادة التي يجب أن يحرص عليها العرب أشد الحرص ، ويعضوا عليها بالنواجذ ، ويسعوا إليها بكل ما أوتوا من مواهب ويتواصى بها الآبار والأبناء ، ولا يجوز لهم - في شريعة العقل والدين والغيرة - أن يتخلوا عنها في زمن من الأزمان ، ففيها عوض عن كل قيادة مع زيادة ، وليس في غيرها عوض عنها وكفاية ، وهي القيادة التي تشمل جميع أنواع القيادة والسيارة ، وهي تسيطر على القلوب والأرواح ، أكثر من سيطرتها على الأجسام والأشباح .
إن الطريق إلى هذه القيادة ممهدة ميسورة للعرب ، وهي الطريق التي جربوها في عهدهم الأول (( الإخلاص للدعوة الإسلامية واحتضانها وتنبيها والتفاني في سبيلها وتفضيل منهج الحياة الإسلامي على جميع مناهج الحياة ) ).
وبذلك - من غير قصد وإرادة لنيل هذه القيادة وتبوئها - تخضع لهم الأمم الإسلامية في أنحاء العالم ، وتتهالك على حبهم وإجلالهم وتقاليدهم ، وبذلك تنفتح لهم أبواب جديدة وميادين جديدة في مشارق الأرض ومغاربها ، الميادين التي استعصت على غزاة الغرب ومستعمريه وثارة عليه ، وتدخل أمم جديدة في الإسلام ، أمم فتية في مواهبها وقواها وذخائرها ،أمم تستطيع أن تعارض أوربا في مدنيتها وعلومها إذا وجدت إيمانًا جديدًا ، ودينًا جديدًا ، وروحًا جديدًا ، ورسالة جديدة .
إلى متى أيها العرب تصرفون قواكم الجبارة التي فتحتم بها العالم القديم في ميادين ضيقة محدودة ؟ وإلى متى ينحصر هذا السيل العرم - الذي جرف بالأمس بالمدنيات والحكومات - في خدود هذا الوادي الضيق ، تصطرع أمواجه ويلتهم بعضها بعضًا ؟ إليكم هذا العالم الإنساني الفسيح الذي اختاركم الله لقيادته