والجواب عما استدلوا به: أن الرؤية ثبتت في آيات أخر، كقوله-تعالى-: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ 22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [1] ، وقوله: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [2] ، والأخبار بذلك ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل متواترة، كما سيأتي، إن شاء الله -تعالى-.
فيتعين أن المراد بالإدراك المنفي في الآية هو الإحاطة، وبذلك فسره ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره من السلف.
قوله:"ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول:"ولا يعلم الغيب إلا الله"الضمير في قوله:"إنه يعلم"يعود على محمد -صلى الله عليه وسلم - أي: من زعم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، فقد كذب، لأن علم الغيب يختص بالله -تعالى-، كما قال -تعالى- مخاطبًا نبيه -صلى الله عليه وسلم - وأمرًا له أن يقول: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [3] ، والآيات في هذا كثيرة."
وعلم الغيب من خصائص الرب -تعالى- التي بعث رسله وأنزله كتبه لبيانها، ونفي ذلك عمن سواه -تعالى-.
وأما قول -تعالى-: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا 26} إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) [4] ، فهي كقوله -تعالى-: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} [5] ، فهي تبين أن الله -تعالى يطلع من يشاء من رسله على ما يشاء من المغيبات، وذلك بوحيه إليهم، مثل إخباره عما جرى من الأمم الماضية، وما أصيبوا به من
(1) الآية 22-23من سورة القيامة.
(2) الآية 15 من سورة المطففين.
(3) الآية 50 من سورة الأنعام.
(4) الآيتان 26-27 من سورة الجن.
(5) الآية 255 من سورة البقرة.