فهرس الكتاب
على أساس عقد تراض سياسي، تحدد بموجبه الحقوق والواجبات، والمرجعية السياسية والتشريعية في الدولة الجديدة، فكانت صحيفة المدينة ودستورها الذي نشأت العلاقة فيه على أساس المواطنة للدولة والالتزام بدستورها وعقدها السياسي، لا على أساس الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غاية العدل والقسط الذي أراده الله {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] ..
فهذا بخصوص مفهوم (الدولة المدنية) ، فلا حرج في استعماله بالمعنى الصحيح، وهو أن الأمة هي التي تختار السلطة بالشورى لا بالتفويض الإلهي.
وكذلك مصطلح (الديمقراطية) ، ليس له مفهوم واحد محدد، بل له معان عدة، فأصل الكلمة تعني (حكم الشعب للشعب) ، بمعنى أن الشعب هو الذي يختار السلطة، وهذا المعنى صحيح شرعا في الإسلام، فالأمة هي التي تختار السلطة، وعلى هذا أجمع الصحابة كما قرر ذلك عمر في آخر خطبة له في صحيح البخاري عن عمر قال: مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلاَ يُبَايَعُ هُوَ وَلاَ الَّذِي بَايَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلاَ" [1] "
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ فَقَالَ:"إِنَّهُ لَا خِلَافَةَ إِلَّا عَنْ مَشُورَةٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ، لَا يُؤَمَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا"قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِسَعْدٍ: مَا تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا؟ قَالَ: عُقُوبَتُهُمَا أَنْ لَا يُؤْمَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .." [2] "
كما للديمقراطية اليوم معنى أوسع من ذلك فالنظام الديمقراطي هو الذي توفرت فيه شروط عدة وهي حكم الشعب، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون على الجميع ..
وكل هذه المعاني صحيحة ولا حرج فيها من حيث المبدأ العام، وهي تتوافق مع ما جاء به الإسلام من العدل والقسط، كما فصلته في كتاب (الحرية أو الطوفان) وكتاب (تحرير الإنسان) .
وهذا بخلاف الديمقراطية بمفهومها العقائدي وأصولها الفلسفية التي لا زالت محل جدال وخلاف كبير بين الديمقراطيين والليبراليين أنفسهم، حيث ينزع بعضهم إلى جعل حرية الفرد وحقوقه الطبيعية هي الأساس، مع الاختلاف في تحديد تلك الحقوق الطبيعية، والخلاف في دائرة الحرية الفردية، والخوف عليها من حكم الأكثرية واستبدادها .. الخ
وينزع آخرون إلى جعل الأساس حقوق الفرد كعضو في المجتمع، وضرورة المحافظة على الأفراد وحرياتهم وحقوقهم كمجموعة تتشابك مصالحها، وتحكمها قيم وأديان وفلسفات، يجب مراعاتها، فالديمقراطية تعني حكم الأكثرية واحترام إرادتها وحقوقها، مع حماية حقوق الأقلية .. الخ
(1) - صحيح البخاري (8/ 168) (6830)
(2) - السنن الكبرى للنسائي (6/ 408) (7113) صحيح