خفيفة، فلما انصرفوا قال عمرُ: يا ابن عباس، انظر مَنْ قتلني، فجال ساعةٌ، ثم جاء فقال: غلامُ المغيرةُ، قال: الصَّنَع (1) ، قال: نَعَمْ، قال: قاتله اللَّهُ لقد أمرتُ به معروفًا، الحمدُ للَّهِ الذي لم يجعل منيّتي بيد رجلٍ يدّعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك ـ يريد العباس، وابنه عبد الله ـ تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباسُ أكثرهم رقيقًا، فقال ـ عبد الله ـ إن شئت، فعلتُ، أي: إنْ شئت قَتَلْنا. قال: كذبتَ ـ أي: أخطأت ـ بعدما تكلموا بلسانكم، وصلّوا قبلتكم، وحجوا حجّكم. فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأنَّ الناسَ لم تصبهم مصيبةٌ قبلَ يومئذٍ. فأُتي بنبيذ (2) فشربه، فخرج من جَوْفه، ثُمَّ أتي بلبنٍ فشربه فخرج من جُرْحه، فعلموا أنه ميت.
فدخلنا عليه، وجاءَ الناسُ فجعلوا يثنون عليه .. وقال: يا عبد الله بن عمر…
(1) الصَّنَع، بفتح الصاد المهملة، والنون. يقال: رَجَلٌ صَنَع اليد واللسان: الماهر في صنعته. والمرأة: صناع اليد، وقيل: يقعان على الرجل والمرأة.
وهو يشير إلى غلام المغيرة بن شعبة، أبو لؤلؤة، فيروز، وقصته كما رواها ابن سعد بإسناد صحيح قال:"كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفه، يذكر لما غلامًا عنده، صانعًا، ويستأذنه أن يدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا تنفع الناس، إنه حدّاد، نقاش، نجار فأذن له، فضرب عليه المغيرةُ كل شهرٍ مائةً، فشكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له: ما خراجك كثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطًا، فلبث عمر ليالي فمرَّ به العبدُ فقال: ألم أحدّث أنك تقول: لو أشاء لصنعتُ رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إليه عابسًا، فقال: لأصنعنَّ لك رحى يثحدث الناسُ بها فأقبل عنر على مَنْ معه، فقال: توعدني العبدُ، فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين، نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس: الصلاة الصلاة، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهنّ تحت السرة قد خرقت الصّفاق وهي التي قتلته" [الفتح 63/ 7] .
(2) قوله"فأُتي بنبيذ"المراد بالنبيذ المذكور، تمرات نُبذتْ ماءٍ، أي: نُقِعَتْ فيه كانوا يصنعون ذلك، لاستعذاب الماء. [الفتح 65/ 7] .