وباب:"الغنى غنى النفس".
وباب:"كيف كان عيش النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم عن الدنيا".
وفيه إشارة إلى أن رسول الله وصحبه، كانوا إذا وجدوا طعامًا أكلوا وشبعوا وشكروا ربهم، وإذا لم يجدوا صبروا، رجاء ثواب الآخرة.
(د) فالزُّهد في صدر الإسلام، كان هو العيش المتوازن أو العيش المعتدل المتوسط بين الترفّة والانغماس في النعيم، وبين التقشف المُجْهد، فقد كانوا يصيبون من النعيم إذا وجدوا، بقدرٍ لا يصرفهم عن العبادة، وأداء الواجبات والنوافل ... والدليل على أن الزهد ـ بمعنى الانقطاع التام عن متاع الدنيا ـ لم يكن موجودًا، وأنَّ الزهد الإسلامي لم يكن فرضًا واجبًا يعاقب تاركه، أن النصوص من القرآن والحديث الصحيح، جاءَت تحثُّ على العمل وطلب الرزق، وتفضّل العامل على القاعد، وفي الصحابة العشرة المبشرين بالجنة أربعة كانوا من أثرياء الصحابة، ليس بالقياس إلى ما عند الآخرين، وإنما بقياس الثراء الواسع: وهم: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وطلحة .. ولعلَّ عثمان، وعبد الرحمن، كانا من ذوي الثراء الواسع في العهد النبوي، للأخبار الصحيحة التي ذكرتْ المال الذي دفعوه لتجهيز جيش العسرة.
فالزهد إذنْ كان للترغيب في عمل الصالحات، والترهيب من الوقوع في الترفة المؤدي إلى الكسل، والانقطاع عن العبادة، وقد يؤدي إلى حبّ المال حبًا يُؤدي إلى مَنْع حقّ الله فيه، من زكاة وصدقة وإنفاق من الملمّات.
ولعل من أهداف الحث على الزهد، كونُ أُمة المسلمين كُتب عليها فرض الجهاد الدائم، لما سيكون دائمًا من تداعي الأمم على أُمة الإسلام، وتألب الأعداء عليها في كلِّ عصر، والجهاد يتطلب قدرًا من الخشونة في الجندي المسلم، بل إن الانغماس في النعمة يؤدي إلى نشأة جيل غير قادر على الجهاد.