وأعدل ما يُنقلُ من أخبارها: أن عليًا رضي الله عنه، أرسل إلى معاوية بأن يبايع له أهل الشام.
فأجاب معاوية: بأن عثمان قُتل مظلومًا، وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه (أي معاوية) أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من عليّ أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك .. لأن معاوية لم يدّع لنفسه الخلافة، ولم يبايعه أحدًا بالخلافة في أيام عليّ أو في أيام ابنه الحسن، إلى أن تم الصلح بين الحسن ومعاوية، فتمت لمعاوية البيعة بالخلافة.
ولكن عليًا كان يقول لمعاوية: ادخل فيما دخل فيه الناس، وحاكمهم ـ أي قتلة عثمان ـ إليَّ، أحكمْ فيهم بالحقّ .. وأصرَّ الطرفان على رأيهما.
ويقول الإخباريون: فلما طال الأمر، ولم تنفع الرسائل، خرج عليٌّ في أهل العراق، طالبًا قتال أهل الشام ... وقولهم:"طالبًا قتال أهل الشام"فيها نظر .. فليس هناك نص صحيح يصرّح بأن عليًا كان يطلب القتال.
فلتكن صياغة العبارة:"خرج عليٌّ في أهل العراق قاصدًا الشام"وتحذف كلمة"قتال"لأن القتال لم يكن الهدف، وإنما كان الهدف أَخْذَ البيعة من أهل الشام، لتتمَّ وحدة الجماعة، ويكتمل عِقْدُ الأقاليم الإسلامية .. وقد جاءَ في كتب التاريخ ما يؤيد ما ذهبتُ إليه، مما يدلُّ على أن كلمة"قتال"هي من تأويلات الرواة.
أو أنهم جعلوا ما آل إليه الأمر فينا بَعْدُ من القتال، هدف عليّ من التوجه إلى الشام، ولم يكن هو الهدف .. وإنما حَرَفَ الناسُ غاية الجيش الأصلية، إلى قتال فكان ما كان، كما سنبينُه فيما بَعْدُ.
ومن أدلة ما ذهبْتُ إليه: قول ابن كثير في [البداية والنهاية 254/ 7] :"وخرج أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب من الكوفة، عازمًا على الدخول إلى الشام، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر الأنصاري".
وقال ابن كثير في مكان آخر:"فبعث عليٌّ الأشتر على مقدمته أميرًا .. …"