97…لذلك .. وبهذا نعرف أن الانتقال إلى الكوفة أولًا، واتخاذ دمشق عاصمة ثانيًا، لم يكن لتوسطهما أو قربهما من بلاد الفتح، ولم يكن لهدف اقتصادي أو عسكري يخص الدولة الإسلامية، وقس على ذلك اتخاذ بغداد عاصمة في العهد العباسي.
ثانيًا: في العهد النبوي، كانت المدينة منطلق الغزوات والسرايا، إلى جميع أنحاء الجزيرة العربية المترامية الأطراف، وفي عهد أبي بكر، انطلقت منها الجيوش التي قضت على المرتدين، ثم تابعت سيرها نحو العراق والشام، وفي العهد العمري كان فتح الشام وبلاد العجم، ومصر .. وكان البريد متصلًا بين العاصمة وجيوش الفتح .. ومن المتفق عليه بين المؤرخين أن العهدين النبوي والراشدي، شهدا عصر الدولة الإسلامية الذهبي .. فكيف تؤدي عاصمة هذه الوظائف وتكون غير مناسبة لأن تكون عاصمة دائمة؟
ثالثًا: للمدينة مركز اقتصادي جيد؛ لأنها أرض زراعية، وتمر بها طرق التجارة، والبحر الأحمر ليس بعيدًا عنها.
رابعًا: لا يشترط في العاصمة أن تكون متوسطة بين أقاليم البلاد، لأن النظام الإسلامي لا يقوم على المركزية المطلقة: فتعاليم الإسلام في القرآن والحديث النبوي، ويستطيع أهل كل إقليم استنباط هذه الأحكام والعمل بها .. وجيوش الفتح تقوم على مبدأ الجهاد الذي أقره القرآن والحديث، ومهمة الخليفة أن يقدم النصائح المستوحاة من القرآن والحديث، والرجوع إلى الخليفة إنما يكون في المهمات العظمى، وكانت تنطلق جيوش الفتح من الأقاليم البعيدة، وتؤدي مهمتها بنجاح .. وإذا نظرنا إلى عواصم الدول المترامية الأطراف في القديم والحديث، فإننا نجد كثيرًا منها في طرف من هذه الدول، وانطر مثالًا لذلك: واشنطن، ونيويورك، وموسكو، ودلهي، ومثلها الكثير من عواصم الدول الجديدة التي وضعت حدودها في العصر الحديث.