ويحلو لكتاب العصر استعمال مصطلح التبشير بمعنى التنصير ، وهو توسّع في التعبير لا شفيع له من جهة الدين والتاريخ معًا ، لأن التنصير حركة خبيثة تروم زحزحة المسلمين عن عقائدهم ، والارتداد بهم عن دينهم ، وتركب لذلك وسائل شتى ، كالتعليم الإرسالي ، والدعوة إلى الحوار بين الأديان ، والتمسّح بمسوح البحث العلمي ، وإتيان صنائع المعروف ، وكل هذه الأعمال ظاهرها السلامة والمشروعية ، وباطنها المكر والخداع ، ولذلك ترى المنصرين يعملون بخفاء ودهاء تحت دثار المدرسة والجامعة والملجأ والمصحة ، ويبثون سمومهم الفكرية التي تعرض عليك الباطل في صورة الحق ، والضلال في زي الهدى ، والوهم في لبوس الحقيقة ، وقد يفلحون في اصطياد فرائسهم ، لأن أغراضهم مستورة بمساعي الخير ومقاصد البر ، كالعسل اللذيذ يدس في السم الناقع ، فيفتك بشاربه من الوهلة الأولى !! وهاهو شيطان التنصير زويمر ينصح المنصرين بقوله: ( لتكن لكم نعومة الأفعى في الزحف إلى قول المسلمين .. إن المسلم لا يغير دينه بسهولة لذلك كان لا بد من تخديره قبل فتح بطنه ) .
إن حركة بهذا القدر من الخبث والمكر وشؤم السريرة ، لا يمكن أن يصدق على الداعي إليها مسمى ( المبشّر ) ، لأن المعنى الذي تدركه العقول بداهة وعرفًا من التبشير هو إخبار الناس بالشيء السار كبشارات الأنبياء والمرسلين ، ومن ثم لا يسوغ أن يستعمل التبشير بمعنى التنصير إلا على سبيل الاستعارة التهكمية كقوله تعالى: ( فبشرهم بعذاب أليم ) 2 .
والذي يصدق عليه _ بحق واستحقاق _ وصف ( التبشير ) هو الإسلام الذي فتح أعين الناس على قيم الحق والخير والجمال ، وقاد الأمة إلى مواقع الريادة والسيادة ، وأخرج الدنيا من ظلمات الشرك إلى أصباح التوحيد ، فالداعي إليه بشير ، والمدبر عنه في خسران كبير !!
ــــــــــــــ
1 الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي لمحمد البهي ، ص 465 .
2 آل عمران: 21 .