فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 764

وإذا كنا لا نرتضي في الجملة التفسير التآمري للتاريخ ، لقصور آلته عن اكتناه أبعاد الظاهرة ، وتشبّعه بنزعة انفعالية محمومة ، فإننا نساق إليه سوقًا غير رفيق في سياق التحليل التاريخي لأطروحة الاستعمار ومقاصدها المبيتة ، ولعل هذا الضرب من التفسير تعضّده الشواهد الموفورة من تاريخ الاستعمار الغربي التي تعكس على نحو من الوضوح والجلاء نزوعًا متسلّطًا إلى إحباط محاولات التميز الحضاري الإسلامي في أبعاده السياسية والاقتصادية والفكرية ، ومن الشواهد النواطق بهذه الحقيقة المرّة: اضطهاد اللغة العربية في الدوائر الرسمية وغير الرسمية ، وفرض اللغة الأجنبية بديلًا عن الفصحى، وإصلاح مناهج التعليم بما يتناغم ومقاصد الفكر الاستعماري في طمس الهوية وإقبار مقومات الدين !!

وليس من شرطنا هنا إشباع القول في دوافع هذا التخطيط الاستعماري وتجلّياته في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم ، وحسبنا التأكيد على أثر الغزو الاستعماري في صياغة موقف المسلمين من الآخر بأنماطه الفكرية والسلوكية والحضارية ، ويعدّ هذا الأثر _ بحق _ معطى مؤثرًا في تأسيس العلاقة بين الذات والآخر في العقود الأخيرة من هذا القرن .

إن الغزو الاستعماري أفرز موقفين متضاربين من النموذج الحضاري الغربي:

_ الأول: موقف رافض ( لكل ما هو غربي أو أوروبي أو أجنبي بوجه عام ) 1 ، وهو رفض مسوَّغ من الجهة التاريخية بالاحتجاج الصارخ على عدوان ( الآخر ) على ( الذات ) بما أتيح له من ضروب القوة العسكرية ، وألوان التفوق الاقتصادي . والغالب على أصحاب هذا الموقف أنهم يصدرون في هذا الرفض المطلق للنموذج الغربي عن قناعتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت