فهرس الكتاب
إنه لا حداثة يستضاء بها إلا حداثة الغرب ، ولا نموذج يحتذى به إلا النموذج العلماني ( المستورد) ، وقد صرح فوكوياما بهذا الخيار الأوحد ، وأكد على ضرورة الانسياق له إذا ما أراد الإسلام مواكبة حثيثة للتغيير ، واقتباسًا شاملًا من الحداثة الغربية التي لا ترضى بديلًا عن إرساء قواعد الدولة العلمانية ، مع أنه يدرك تمام الإدراك أن الصراع موصول في الحاضر الماثل والمستقبل المرموق بسبب استقلال الحضارة الإسلامية واستعصائها على الذوبان في النموذج الغربي الكاسح .
وكان رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو بيرلوسكوني أجرأ نبرة من فوكوياما ، وأسوأ دخيلة ، حين صرّح بضرورة انتصار الحضارة الغربية على الإسلام الذي يجب أن يهزم ؛ لأنه لا يعرف الحرية
ــــــــــــ
1 أمريكا من الداخل لسيد قطب ، مجلة الرسالة المصرية في أعداد سنة ، 1951 _ 1952 م .
ولا التعددية ولا حقوق الإنسان ، والغرب سيواصل تعميم حضارته وفرض نفسه على الشعوب 1 ،
وهذا النزوع إلى الغزو الفكري واكتساح الآخر يهدر فرص الحوار ، ويذكي أوار المواجهة بين شرق معتدّ بحضارته العريقة ومقوماته الروحية ، وغرب يتحلّب ريقه طمعًا في تجذير التبعية لنموذجه المتهالك ، وإفراغ الإسلام من قيمه الهادية البانية ..
ويسلمنا الحديث عن الهيمنة الغربية إلى قضية جوهرية كانت وما تزال مَثار الجدل ومبعث النقاش بين المتهمّمين بشؤون التعليم والفكر والثقافة ، وهي تغيير المناهج الدينية في مؤسساتنا التربوية والأكاديمية ، فقد استنفرت السياسة الأمريكية قواها لاجتياح التعليم الديني ، وإعادة صياغته وفق معايير الحداثة الغربية التي لا ترضى بديلًا عن تكريس القطيعة المعرفية مع ثوابت الإسلام ، وتجذير النموذج العلماني المتشبّع بالمبدأ المسيحي: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله !!