ومن هنا كان على الغرب أن يراجعَ خططه ، ويعيدَ صقل أدواته ، ويعدّ العدّة لاختراق الهوية الحضارية للمسلمين من خلال استثمار عوائد الاختراع وطفرات التكنولوجيا في مضمار الثقافة
والفكر والبحث العلمي ، إذ لم يعد من المجدي حشد الحشود لاحتلال الدول ، وكسر شوكة الشعوب ، وإنما يجزىء في التغلّب على الخصم انتهاج أسلوب الاختراق الثقافي الذي يفرغ الأمة من قيمها ، وثوابتها ، ومقومات نهوضها ، ويتركها لحمًا على وضم ، لا هي بالميت الذي أراحته رقدة القبر ، ولا بالحي الذي رزق العافية والعنفوان !!
ولم يكن للغرب ، وقد أسرعت به خطى العلم وواتاه التقدّم الناهض ، أن يركب مركب ( العنف الثقافي التقليدي الذي جربه أثناء الاحتلال من خلال إنشاء المؤسسة المدرسية والتربوية الحديثة ، وفرض لغته وبرامجه العلمية قسرًا ، أو الذي جربه بعد الاستقلال من خلال حراسته علاقة التبعية الثقافية للنخب الجديدة به وإعادة إنتاجها بمختلف الصور ؛ أو بعبارة أخرى لم يركب مجددًا سبيل الهيمنة الثقافية من خلال السيطرة على مؤسسات إنتاج الثقافة المكتوبة وتوزيعها ) 1، وإنما ابتدع نمطًا جديدًا للهيمنة الثقافية هو النظام السمعي _ البصري ، لما له من أثر بالغ في تكييف الوعي وصياغة الرأي العام .
إن الغرب أدرك في مخطّطه الحاضر والقابل أن ظفره بالسيادة معقود بناصية ( الصورة ) ، وحليف من يمتلك زمامها في حرب البصريات ، وأن المادة التقليدية المكتوبة قد كسدت سوقها ، وبارت تجارتها ، رغم ما يحسب لها من رجحان في الميزان المعرفي والجمالي معًا .