فكانت أسئلة القوم في حوارهم مع النبي عليه السلام تنم عما لديهم من علم بالكتاب الذي أنزل إليهم (1) , ولذلك أمر الله عز وجل نبيه عليه السلام بمجادلة أهل الكتاب بالحسنى, فقال:"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (2) ، وكانت أجوبته صلى الله عليه وسلم- كما نقرأ في القرآن- ملزمة للقوم ومفحمة بقوة الحجة ونصاعة البرهان، مع تمام اللين والرفق (3) , فكان أهل المروءة والإنصاف فيهم , لا يملكون أمام سلطان البرهان وقوة الحجة إلا أن يعلنوا إيمانهم كالنجاشي مثلا أو يكتموه إلى حين كبعض نصارى نجران بالمدينة (4) ، وبقي أهل الحقد والعناد في غيهم يعمهون كما هو حال أغلب اليهود . إن منهج الحوار الذي أدار به النبي صلى الله عليه وسلم الاختلاف تبليغا للدعوة, وظفه مع صحابته تعليما وبيانا, كما نجد في قضايا عدة منها قصة خولة بنت ثعلبة مع زوجها أ وس بن الصامت التي نزل في حقها القرآن:"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير" (5) , وقصة عمر رضي الله عنه في مجادلته للرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية (6) , ومحاورة سعد بن معاد وسعد بن عبادة في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ (7) , وغيرها من القضايا التي يدير فيها النبي عليه السلام الاختلافات بالحوار الهادئ حتى يفهم الجميع ويقتنع ويطمئن، فحسن إدارة الخلاف مع المؤالف مقدمة شرطية
(1) - تنظر نماذج من أسئلتهم في سيرة ابن هشام 2/198 وما بعدها .
(2) - العنكبوت من الآية 46 .
(3) - ينظر نموذجا من مناظرته صلى الله عليه وسلم لنفر من أحبار يهود في سيرة ابن هشام 2/167 وما بعدها .
(4) - ينظر المصدر السابق 2/205-206 .
(5) - المجادلة الآية 1, ينظر سبب نزولها في الجامع لأحكام القرآن 17/269 وما بعدها .
(6) - ينظر سيرة ابن هشام 3/365- 366 .
(7) - ينظر تاريخ الأمم والملوك للطبري 2/94, وسيرة ابن هشام 3/239- 240 .