من هذا المنطلق يتعين على أطراف الخلاف أن يتمحض قصدهم في طلب الحق والسعي لإظهاره، مع التخلي المؤقت عن المواقف الفكرية الشخصية، والعمل على طلب الحق أينما كان، والقرآن الكريم يعلمنا هذا التجرد العلمي في مجادلة الآخر حين خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قمة اليقين والإيمان، بأن يدخل في جدل المخالف بروح موضوعية، في قوله تعالى:"وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" (1) .
ومن أجل ترسيخ مبدأ التزام الأمانة العلمية، وضمان نزاهة قصد المخالف في البحث الجدلي لابد أن يكون هذا المجادل على قدر كبير من المروءة الإنسانية والتربية الخلقية الإيمانية حتى يتغلب على هوى نفسه فيلزم جانب الحق في جداله ويحرص على طلب الحقيقة، خصوصا وأن المجادل أثناء مناظرة المخالف ومناقشته يكون في وضعية نفسية معقدة بحيث يكون معرضا لكل ما قد يصرفه عن ملازمة الأمانة العلمية في طلب الحقيقة العلمية من دواعي الاعتداد بالرأي والتعصب له والمكابرة والعناد وغيرها من نوا قض الأمانة العلمية وخوارم الموضوعية في مناظرة المخالف. (2)
وهذا ما جعل أبا حامد الغزالي يفضل أن تكون المناظرة بين أهل الاختلاف في الخلوة بدل أن تكون في"المحافل وبين أظهر الأكابر والسلاطين" (3) ، وعلل ذلك بقوله:"فإن الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن والفكر ودرك الحق، وفي حضور الجمع ما يحرك دواعي الرياء، ويوجب الحرص على نصرة كل واحد نفسه محقا كان أو مبطلا" (4) , وهذا الذي يسمى في علم النفس تأثير العقل الجمعي, الذي لا يساعد على ضبط النفس ورزانة الرأي.
(1) - سورة سبأ الآية 24.
(2) - وقد عرض الغزالي لآفات كثيرة تعتري أهل الجدل الذين لم يتحصنوا منها تربويا، ينظر ذلك في الإحياء 1/58 وما بعدها.
(3) - الإحياء 1/57.
(4) - نفسه.