وعلى أساس هذا الضابط دعا القرآن الكريم المخالفين إلى الحوار في قول الله تعالى:"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا" (1) .
فالحوار حين يجري مثنى وفرادى وأعدادًا متقاربة يكون أدعى إلى استجماع الفكر والرأي ، كما أنه يساعد المخطئ أن يرجع إلى الحق، ويتنازل عما هو فيه من الباطل أو المشتبه، بخلاف الحال أمام الناس ؛ فقد يعزّ عليه التسليم والاعتراف بالخطأ أما مُؤيِّديه أو مُخالفيه .
لذلك بات من اللازم أن يتسلح المجادل برصيد تربوي خلقي قبل الرصيد المعرفي والمنهجي ليتمكن من الصمود أمام العواصف النفسية التي تحاول أن تعصف بأمانته العلمية وخلوص قصده.
والتزام الأمانة العلمية في الجدل الخلافي لم يكن موضع إشكال عند الصحابة رضوان الله عليهم والأئمة المجتهدين من بعدهم، فقد ضربوا أروع الأمثلة في التجرد في طلب وجه الحق والصواب في محاورة مخالفيهم من أهل الكتاب وسواهم سيرا على المنهج النبوي في محاورة الآخر ، فزادهم ذلك قوة في العلم وهيبة عند الناس ونشرا لدعوة الإسلام.
وقد كان شعار منهجهم ما أعلنه أبو حنيفة- رحمه الله- حين قال:"قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه, فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا" (2) , وما أكده الشافعي من بعده بقوله:"ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ, وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد, ولا ينسب إلي" (3) .
(1) - سورة سبأ من الآية 46 .
(2) - تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 362 .
(3) - آداب الشافعي ومناقبه لأبي محمد بن أبي حاتم الرازي تحقيق عبد الغني عبد الخالق ص 91 .