وإنما تظهر الصعوبة في التقيد بالأمانة العلمية في الجدل حينما نكون أمام متجادلين مقلدين قيدوا أنفسهم وألزموها بمعارف ومذاهب مسبقة، غير مستعدين للتنازل عنها في كل الأحوال، فعلى مستوى الخلاف الداخلي أعلنها صراحة أبو الحسن الكرخي (ت 340 هـ) حين قال قولته الشهيرة:"إن كل آية تخالف قول أصحابنا، فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح والأولى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق". (1)
في مثل هذه الحالة يتعذر التزام الموضوعية ومراعاة الأمانة العلمية في البحث الجدلي ويغيب الاستعداد لتقبل وجهة نظر الآخر على أساس القاعدة الذهبية الشهيرة:"رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". (2) وينفتح باب العناد والتعصب , وهو المنزلق الذي حذر منه الشاطبي- رحمه الله- حين قال:"إن اعتياد الاستدلال لمذهب واحد, ربما يكسب الطالب نفورا وإنكارا لمذهب غيره من غير اطلاع على مأخذه, فيورث ذلك حزازة في الاعتقاد في الأئمة الذين اجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين" (3) .
وإن من استقرى تاريخ الإسلام الحضاري يخلص إلى أن الإسلام إنما انتشر بالحوار والدعوة، لا بالمواجهة والقتال، وإنما شُرعت حالات خاصة للقتال لتقرير حرية الاختيار، وتمهيد سبيل الحوار، وتوفير مناخ الاقتناع.
ب- إنصاف المخالف واحترامه:
(1) - رسالة الكرخي مع تأسيس النظر للدبوسي ص 84، تنظر أقوال أخرى مماثلة في التعصب في الإمام الشهاب القرافي حلقة وصل بين المشرق والمغرب في مذهب مالك في القرن السابع للصغير الوكيلي 1/512 وقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 2/136.
(2) - اشتهرت هذه القولة على الألسنة منسوبة للإمام الشافعي.
(3) - الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي تحقيق دراز 2/391 .