ومراعاة منطق الترتيب بين الأسئلة الجدلية السابقة وتسلسلها أمر لازم (1) إجمالا، غير أن ذلك لا ينفي إمكان وجود حالات خاصة قد يستغني فيها المناظر الجدلي عن خطوة من تلك الخطوات بحسب الموجب، لأن كل خطوة إنما يتم اللجوء إليها عندما يقتضيها سياق البحث والجدل، ومعرفة السائل مثلا لمرجعية مخالفه تعفيه من خطوات البحث عن إثباته، كما أن وضوح وجه الدلالة في دليل الخصم يغني السائل عن السؤال عنه. وهكذا.
وذهب الجويني في تأكيد هذا المعنى إلى أن جمهور أهل النظر على أن"السائل إن كان عالما بمذهب المسؤول، وكان مذهبه مشهورا عنده - لا شك فيه - كان له أن يبتدئ بالسؤال عن الدلالة، وإذا كان يعلم أن دليله في ذلك المذهب أمر معلوم لا يتعداه كان له الطعن ابتداء في دلالته" (2) .
ج- ضوابط القدح في الدليل:
تمثل ضوابط القدح في الدليل المرحلة الفكرية التي يتطور فيها النقاش الجدلي و يتفاعل بحيث يصبح تركيز البحث فيها على عملية التصحيح والتحرير لما تم إثباته في المرحلة التمهيدية السابقة ( ضوابط السؤال والجواب ) ، مع اختبار مدى إمكانية قيام ذلك دليلا معتبرا يعتمد في إنتاج المعرفة الصحيحة، ويتم ذلك من خلال القوادح التالية:
أولا: المطالبة:
تشكل المطالبة الحلقة الأولى في سلسلة وجوه القدح في الدليل، وذلك ضمن السياق العام لعملية التصحيح والاختبار لدليل المخالف.
(1) - يقول الجويني عن أهمية الترتيب في الأسئلة الجدلية:"فالسؤال عن ماهية المذهب مرتب على السؤال عن المذهب […] والسؤال عن الدلالة بعد السؤال عن معرفة المذهب وعن وجه الدلالة بعد المعرفة بما يدعيه دلالة"الكافية في الجدل ص 78-79.
(2) - الكافية في الجدل ص 79-80.