أولًا: لطف الخطاب , وأدب الحوار مع المخالف رغم عظم المخالفة , فالقضية المطروحة للبحث والحوار هنا قضية كفر وإيمان ، وهما ضدان لا يجتمعان لكن إبراهيم - عليه السلام - يبدأ خطابه لأبيه بلين وأدب جميل ، واستعطاف يبدأه بنداء الأبوة ? يَا أَبَتِ ? يستثير بهذا النداء أبوته الحانية ، ويحرك مشاعره الراكدة ، يلامس بهذا شغاف قلبه، ليس هذا فقط ، بل يكرر هذا النداء المؤثر أربع مرات مع كل خطاب لأبيه ، إن لم تؤثر الأولى فعسى أن تؤثر الأخرى .
ومع عدم انتهاء الحوار بين الابن والأب إلى نهايةٍ سعيدة حميدة كان يرجوها إبراهيم لأبيه ، ومع غضب أبيه عليه ، وتهديده له بقوله: ? .... لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ? (1) يختم إبراهيم حواره مع أبيه بالسلام عليه ، والدعاء له: ? قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ... ? (2) فكان لطف الخطاب ، وحسن الجواب ، وأدب الكلام شعار الحوار في البدء والختام ، وأثناء الكلام .
فحسن الكلام هو أدب القرآن للمسلم في دعوته ، وموعظته ، وحواره ، وسائر كلامه مع سائر الناس: ? وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ? (3)
وهو أدب الدعوة في قوله تعالى: ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? (4)
بل قال الله تعالى لموسى وهارون في بيان أسلوب خطاب فرعون الطاغية ودعوته: ? فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ? (5)
فإذا كان هذا الأدب مع غير المسلم ، فمع المسلم أولى وأوجب . وليس من الإسلام في شيء جفاء الخطاب ، فضلًا عن الشتم والسباب .
(1) «مريم» الآية (46) .
(2) «مريم» الآية (47) .
(3) «البقرة» الآية (83) .
(4) «النحل» الآية (125) .
(5) «طه» الآية (44) .