ثانيًا: حسن المدخل لمسائل الخلاف وقضاياه ، حيث بدأ إبراهيم - عليه السلام- أباه بالتساؤل: ? يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ? (1) .
وهذا أسلوب جميل ، يحمل المحاور المخالف على التفكير ، وإعادة النظر في الأمر ، للوصول إلى الحق بنفسه ، حتى لا يشعر بأنه أُفحِم وبُهِت ، فتأخذه العزة بالإثم ، ويمتنع عن قبول الحق انتصارًا للنفس ، ولو بالباطل .
ثالثًا: البدء ، بل حصر الحوار في القضايا الكبرى ، دون الانشغال في الجزئيات والتفصيلات ، فعبادة الله وحده دون شريك هي غاية الخلق ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ? (2) ؛ وهي دعوة الرسل جميعًا لأقوامهم ، وهي دعوة إبراهيم لأبيه ، وهي ما اقتصر عليه دون الدخول في القضايا الأخرى .
رابعًا: تناول المسلّمات التي لا يختلف عليها . فآلهة آزر التي يعبدها هي الأصنام المنحوته من الأحجار ، وقد روي أن آزر ممن كان ينحتها بيده (3) .
وهذه الأصنام الآلهة في حقيقتها وواقعها لا تسمع دعاء ، ولا تفهم ثناء ، ولا تجيب نداءا ، ولا تبصر خضوع خاضع ، ولا خشوع عابد خاشع ، ولا تملك نفعًا ، ولا تدفع ضرًا . وبناءً على هذه الحقيقة القائمة الواضحة ، فهي لا تملك من مقومات وصفات الإله شيئًا .
? يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ? (4)
وبمثل هذا الأسلوب والتقرير ينتبه العقل من غفلته ، ويصحو الضمير من غفوته ، ويستيقظ الحس من رقدته ، لمن ألقى السمع وهو شهيد .
(1) «مريم» الآية (42) .
(2) «الذاريات» الآية (56) .
(3) انظر «قصص القرآن» . محمد أحمد جاد المولى . وآخرون ص (37)
(4) «مريم» الآية (42) .